للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المِلْكُ فيه، فصارَ إقْرارُه للثانى إقْرارًا له بمِلْكِ غيرِه، فلم يُقْبَلْ. وتَلْزَمُ المُقِرَّ غَرامتُه للثانى؛ لأنَّه فَوَّتَه عليه بإقْرارِه به لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو غصَبَه منه، فدَفَعَه إلى غيرِه.

١٩٢٩ - مسألة؛ قال: (وَمَن ادَّعَى دَعْوَى عَلَى مَرِيضٍ، فَأَوْمَأَ برأْسِهِ، أَىْ: نَعَم. لَمْ يُحْكَمْ بِهَا حَتَّى يَقُولَ بلِسَانِهِ)

وجملتُه أَنَّ إشارةَ المريضِ لا تَقومُ مَقامَ نُطْقِه، سواءٌ كان عاجِزًا عن الكَلامِ أو قادرًا عليه. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ. وقال الشافعىُّ: يُقْبَلُ إقْرارُه بإشارَتِه، إذا كان عاجزًا عن الكَلامِ لأنَّه إقْرارٌ بالإِشارةِ من عاجزٍ عن الكلامَ، فأشْبَه إقرارَ الأَخْرَسِ. ولَنا، أنَّه غيرُ مأْيوُسٍ مِن نُطْقِه، فلم تَقُمْ إشارتُه مَقامَ نُطْقِه، كالصَّحيحِ. وبهذا فارَقَ الأخْرَسَ، فإنَّه مَأْيوسٌ من نُطْقِه، ولِهذا لو أُرْتِجَ عليه فى الصَّلاةِ، لم تَصِحَّ صلاتُه بغيرِ قراءةٍ، بخلافِ الأَخْرَسِ. والآيِسَةُ يُفرَّقُ بينَها وبينَ مَن ارْتفَعَ حَيْضُها مع إمْكانِه فى العِدَّةِ؛ ولأنَّ عَجْزَه عن النُّطْقِ غيرُ مُتَحقِّقٍ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يَتْرُكَ الكلامَ لصُعوبتِه عليه ومَشَقَّتِه، لا لعَجْزِه. وإن صارَ إلى حالٍ يُتَحقَّقُ (١) الإِياسُ من نُطْقِه، لم يُوثَقْ بإِشارتِه؛ لأنَّ المرضَ الذى أعْجزَه عن النُّطْقِ، لم يخْتَصَّ بلسانِه، فيجوزُ أن يكونَ أثَّرَ فى عَقْلِه أو فى سَمْعِه، فلم يَدْرِ ما قيل له، بخلافِ الأخْرَسِ، ولأنَّ الأخْرسَ قد تكرَّرتْ إشارتُه حتى صارَت عندَ مَن يُعاشِرُه كاليَقينِ، ومُماثلةَ النُّطْقِ، وهذا لم تتكرَّرْ إشارتُه، فلعلَّه لم يُردِ الإِقْرارَ، إنَّما أرادَ الإِنْكارَ، أو إسْكاتَ مَن يسألُه، ومع هذه الفُروقِ، لا يصِحُّ القياسُ.

١٩٣٠ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى، وَقَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِى. ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، لَمْ تُقْبَلْ؛ لأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِبَيِّنَتِهِ)

وبهذا قال محمدُ بنُ الحسنِ. وقال أبو يوسفَ، وابنُ المُنْذِرِ: تُقْبَلُ. وهو ظاهرُ مذهبِ الشَّافعىِّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يَنْسَى، أو يكونَ الشَّاهِدَان سَمِعا منه، وصاحبُ الحقِّ لا


(١) فى أ: "يحقق".

<<  <  ج: ص:  >  >>