للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في ذِمّتِه، سواءٌ تَرَكَها (٣٥) لعُذْرٍ أو غيرِ عُذْرٍ، في أظْهَرِ الرِّوايتَيْنِ. وهذا قولُ الحسنِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. والرِّوايةُ الأُخْرَى: تَسْقُطُ نفقتُها، ما لم يكُنِ الحاكمُ قد فَرَضَها لها. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّها نفقةٌ تَجِبُ يومًا فيومًا، فتَسْقُطُ بتأْخِيرِها إذا لم يَفْرِضْها الحاكمُ، كنَفَقةِ الأقارِب، ولأنَّ نَفَقةَ الماضى قد اسْتُغْنِىَ عنها بمُضِىِّ وَقْتِها، فتَسْقُطُ، كنَفَقةِ الأقارِبِ. ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، كَتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، في رجالٍ غابُوا عن نسائِهِم، يأمُرُهُم بأنْ (٣٦) يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقُوا، فإن طَلَّقُوا بَعَثُوا بنَفَقةِ ما مَضَى. ولأنَّها حَقٌّ يجبُ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، فلم يَسْقُطْ بمُضِىِّ (٣٧) الزَّمانِ، كأُجْرَةِ العَقارِ والدُّيُونِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذه نَفقةٌ وجَبَتْ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، ولا يزولُ ما وَجَبَ بهذه الحُجَجِ إلَّا بمِثْلِها. ولأنَّها عِوَضٌ واجبٌ، فأشْبَهتِ الأُجْرةَ. وفارَقَ نفقةَ الأقارِبِ، فإنَّها صِلَةٌ يُعْتَبُر فيها اليَسارُ من المُنْفِقِ والإِعسارُ ممَّن تَجِبُ له، وَجبَتْ لِتَزْجِيَةِ (٣٨) الْحالِ، فإذا مَضَى زَمَنُها (٣٩) اسْتَغْنَى عنها، فأشْبهَ ما لو اسْتَغْنَى عنها بيَسارِه، وهذه بخِلافِ ذلك. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن (٤٠) تَرَكَ الإِنْفاقَ عليها مع يَسارِه، فعليه النَّفَقةُ بكَمالِها، وإن تَرَكَها لإِعْسارِه، لم يَلْزَمْه [إلَّا] نَفَقةُ المُعْسِرِ؛ لأنَّ الزَّائدَ سَقَطَ بإعْسارِه.

فصل: ويَصِحُّ ضَمانُ النَّفقةِ، ما وَجَبَ منها وما يَجِبُ في المُسْتقبلِ، إذا قُلْنا: إنَّها تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ. وقال الشافعيُّ: يَصِحُّ ضَمانُ ما وَجَبَ، وفي ضَمانِ المُسْتقبلِ وَجْهان، بِناءً على أنَّ النَّفقةَ هل تَجِبُ بالعَقْدِ أو بالتَّمْكِينِ؟ ومَبْنَى الخلافِ على ضَمانِ


(٣٥) في أ، م: "تركه".
(٣٦) في أ، م: "أن".
(٣٧) في ب: "نفقة".
(٣٨) تزجية الحال: تيسيره.
(٣٩) في ب: "زمن".
(٤٠) سقط من: أ، م.

<<  <  ج: ص:  >  >>