للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فهو على ما نَوَى، ومثلُ: لا سبيلَ لى عليك. وإذا نصَّ فى هاتَيْنِ على أنَّه يرجَعُ إلى نيَّتِه، فكذلك سائرُ الكناياتِ. وهذا قولُ الشَّافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَقَعُ اثنتانِ، وإن نَوَاهما وقَعَ واحدةٌ. وقد تقدّمَ ذكرُ ذلك. وإن قال: أنتِ واحدةٌ. فهى كنايةٌ خَفِيَّةٌ، لكنَّها لا تَقعُ بها إلَّا واحدة. وإن نَوَى ثلاثًا؛ لأنَّها لا تَحْتمِلُ غيرَ الواحدةِ. وإن قال: أغْناكِ اللَّهُ. فهى كناية خَفِيَّة؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ: أغْناكِ اللَّه بالطَّلاقِ. لقولِ اللَّهِ تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} (٣٣).

فصل: والطَّلاقُ الواقعُ بالكناياتِ رَجْعِىٌّ، ما لم يَقَعِ الثلاثُ، فى ظاهرِ المذهبِ. وهو قولُ الشَّافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: كلُّها بَوائنُ، إلَّا: اعْتَدِّى. واستبرِئى رَحِمَك. وأنتِ واحدةٌ؛ لأنَّها تَقْتضِى البَيْنونةَ، فتقَعُ البَيْنُونةُ، كقوله: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. ولَنا، أنَّه طلاقٌ صادَفَ مَدْخُولًا بها من غيرِ عِوَضٍ، ولا اسْتيفاءِ عِدَدٍ، فوَجَبَ أن يكونَ رَجْعِيًّا، كصريحِ الطَّلاقِ، وما سلَّمُوه مِنَ الكناياتِ. وقولُهم: إنَّها تَقْتضِى البَيْنُونةَ قُلْنا: فينْبغِى أن تَبينَ بثلاثٍ؛ لأنَّ المدخولَ بها لا تَبِينُ إلَّا بثلاثٍ أو عِوَضٍ.

فصل: فأمَّا ما لا يُشْبِهُ الطَّلاقَ، ولا يَدُلُّ على الفِراقِ، كقولِه: اقْعُدِى. وقُومِى. وكُلِى. واشْرَبِى. واقْرُبِى. وأطْعمِينِى. واسْقِينِى. وبارَكَ اللَّهُ عليك. وغفرَ اللَّهُ لك. وما أحسنَكِ. وأشباهِ ذلك، فليس بكنايةٍ، ولا تَطْلُقُ به، وإن نَوَى؛ لأنَّ اللَّفظَ لا يَحْتمِلُ الطَّلاقَ، فلو وقَعَ الطَّلاقُ به لَوقَعَ (٣٤) بِمُجرَّدِ النِّيِّةِ، وقد ذكَرْنا أنَّه لا يَقَعُ بها. وبهذا قال أبو حنيفةَ. واختلَف أصْحابُ الشَّافعىِّ فى قولِه: كُلِى. واشْرَبِى. فقال بعضُهم كقَوْلنا، وقال بعضُهم: هو كنايةٌ؛ لأنَّه يَحْتمِلُ: كُلِى ألَمَ الطَّلاقِ. واشْرَبِى كأسَ الفِراقِ. فوقعَ به، كقولنا (٣٥): ذُوقِى، وتَجرَّعِى. ولَنا، أَنَّ هذا اللَّفظَ


(٣٣) سورة النساء ١٣٠.
(٣٤) سقط من: الأصل، ب، م.
(٣٥) فى الأصل: "كقوله".

<<  <  ج: ص:  >  >>