للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حَدِّ القِلَّةِ، بدَليلِ قولِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فى الوَصِيَّةِ: "الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ" (١٥). فيَدُلُّ هذا على أنَّه آخِرُ حَدِّ الكَثْرَةِ، فلهذا قُدِّرَ به. وَوَجْهُ الأَوَّلِ، عُمومُ الأحادِيثِ، فإنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمَرَ بوَضْعِ الجَوائِحِ (١٦). وما دون الثُّلُثِ داخِلٌ فيه، فيَجِبُ وَضْعُه. ولأنَّ هذه الثمَرةَ لم يَتِمَّ قَبْضُها، فكان ما تَلِفَ منها من مالِ البائِعِ، وإن كان قَليلًا، كالتى على وَجْهِ الأَرْضِ، وما أَكَلَهُ الطَّيْرُ (١٧) أو سَقَطَ لا يُؤَثِّرُ فى العادَةِ، ولا يُسَمَّى جائِحَةً، فلا يَدْخُلُ فى الخَبَرِ، ولا يُمكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فهو مَعْلومُ الوُجودِ بِحُكْمِ العادَةِ، فكأنَّه مَشْروطٌ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا تَلِفَ شىءٌ له قَدْرٌ خارِجٌ عن العادَةِ، وَضَعَ من الثَّمَنِ بِقَدْرِ الذَّاهِبِ. فإن تَلِفَ الجَميعُ، بَطَلَ العَقْدُ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى بجَميعِ الثَّمَنِ. وأمَّا على الرِّوايَةِ الأُخْرَى، فإنَّه يَعْتَبِرُ ثُلُثَ المَبْلَغِ، وقيل: ثُلُثَ القِيمَةِ. فإن تَلِفَ الجَمِيعُ، أو أكْثَرُ من الثُّلُثِ، رَجَعَ بقيمَةِ التَّالِفِ (١٨) كلِّه [من الثَّمَنِ] (١٩). وإذا اخْتَلَفا فى الجائِحَةِ، أو قَدْرِ ما أُتْلِفَ، فالقولُ قولُ البائِعِ، لأنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ. ولأنَّه غارِمٌ، والقولُ فى الأُصولِ قولُ الغارِمَ.

فصل: فإن بَلَغَتِ الثَّمَرةُ أوانَ الجِزازِ، فلم يَجُزَّها حتَّى اجْتِيحَتْ، فقال القاضى: عندى لا يُوضَعُ عنه؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ النَّقْلِ فى وَقْتِه مع قُدْرَتِه، فكان الضَّمانُ عليه. ولو اشْتَرَى ثَمَرةً قبل بُدُوِّ صَلاحِها بشَرْطِ القَطْعِ، فأمْكَنَه قَطْعُها، فلم يَقْطَعْها حتَّى تَلِفَتْ، فهى من ضَمانِه؛ لأنَّ تَلَفَها بِتَفريطِه. وإن تَلِفَتْ قبل إمْكانِ قَطْعِها، فهى من ضَمانِ بائِعِها، كالمَسْأَلَةِ قبلَها (٢٠)


(١٥) تقدَّم تخريجه فى صفحة ٣٧.
(١٦) تقدَّم تخريجه فى صفحة ١٧٧.
(١٧) سقط من: م.
(١٨) فى م: "التلف".
(١٩) سقط من: الأصل.
(٢٠) فى م: "فيها".

<<  <  ج: ص:  >  >>