للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإنَّ المِيرَاثَ والاغْتِنَامَ والاتِّهابَ ونَحْوَ ذلك يَنْدُرُ ولا يَتَكَرَّرُ، فلا يَشُقُّ ذلك فيه، وإن شَقَّ فهو دُونَ المَشَقَّةِ فى الأرْبَاحِ والنِّتَاجِ، فَيَمْتَنِعُ قِيَاسُه عليه، واليُسْرُ فيما ذَكَرْنَا أكْثَرُ؛ لأنَّ الإنْسانَ يَتَخَيَّرُ بين التَّأْخِيرِ والتَّعْجِيلِ، وما ذَكَرُوهُ يَتَعَيَّنُ عليه التَّعْجِيلُ، ولا شَكَّ أنَّ التَّخْيِيرَ بين شَيْئَيْنِ أَيْسَرُ مِن تَعْيِينِ أحَدِهِما، لأنَّه مع التَّخْيِيرِ، فيخْتَارُ أيْسَرَهما عليه، وأحَبَّهما إليه، ومع التَّعْيِينِ يَفُوتُه ذلك. وأمَّا ضَمُّه إليه فى النِّصابِ، فَلأنَّ النِّصابَ مُعْتَبَرٌ لِحُصُولِ الغِنَى، وقد حَصَلَ الغِنَى بالنِّصَابِ الأوَّل، والحَوْلُ مُعْتَبَرٌ، لِاسْتِنْماءِ (٢٤) المالِ؛ لِيَحْصُلَ أدَاءُ الزَّكَاةِ من الرِّبْحِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بِمُرُورِ الحَوْلِ على أَصْلِه، فوَجَبَ أن يُعْتَبَرَ الحَوْلُ له.

فصل: ويُعْتَبَرُ وُجُودُ النِّصابِ فى جَمِيعِ الحَوْلِ، فإن نَقَصَ الحَوْلُ نَقْصًا يَسِيرًا، فقال أبو بكرٍ: ثَبَتَ أن نَقْصَ الحَوْلِ سَاعَةً أو ساعَتَيْنِ مَعْفُوٌّ عنه. وظاهِرُ كَلامِ القَاضِى، أنَّ النَّقْصَ اليَسِيرَ فى أثْنَاءِ الحَوْلِ يَمْنَعُ؛ لأنَّه قال فى مَن له أرْبَعُونَ شاةً، فماتَتْ منها شاةٌ ونُتِجَتْ أُخْرَى: إنْ (٢٥) كان النِّتَاجُ والمَوْتُ حَصَلَا فى وَقْتٍ واحِدٍ لم تَسْقُط الزكاةُ؛ لأنَّ النِّصَابَ لم يَنْقُصْ، وكذلك إن تَقَدَّمَ النِّتَاجُ المَوْتَ، وإن تَقَدَّمَ المَوْتُ النِّتَاجَ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ؛ لأنَّ حُكْمَ الحَوْلِ سَقَطَ بِنُقْصَانِ النِّصابِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ كلامَ أبى بكرٍ أرَادَ به النَّقْصَ فى طَرَفِ الحَوْلِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ القاضىَ أرَادَ بالوَقْتِ الوَاحِدِ الزَّمَنَ المُتَقَارِبَ، فلا يكونُ بين القَوْلَيْنِ اخْتِلَافٌ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ أنَّ النِّصابَ إذا كَمَلَ فى طَرَفَىِ الحَوْلِ، لم يَضُرّ نَقْصُه فى وَسَطِه. ولَنا، أنَّ قَوْلَ النَّبِىِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَا زَكَاةَ فى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ" (٢٦). يَقْتَضِى مُرُورَ الحَوْلِ على جَمِيعِه، ولأن ما اعْتُبِرَ فى طَرَفَىِ الحَوْلِ


(٢٤) فى م: "ولا سيما" تحريف.
(٢٥) فى م: "إذا".
(٢٦) تقدم فى صفحة ٤٦، ٧٧. من رواية عائشة وابن عمر.
وأخرجه عن على؛ أبو داود، فى: باب فى زكاة السائمة، من كتاب الزكاة. سنن أبى داود ١/ ٣٦٢.
والإمام أحمد، فى: المسند ١/ ١٤٨. ورواه الدارقطنى موقوفا، فى: باب وجوب الزكاة بالحول، من كتاب=

<<  <  ج: ص:  >  >>