للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اللَّه عنهما، جَعَلَا دِيَةَ الخطإِ على العاقلةِ في ثلاثِ سِنِينَ (١٦). ولا نَعْرِفُ لهما في الصحابةِ مُخالِفًا، واتَّبعَهُمْ على ذلك أهلُ العِلْمِ، ولأنَّه مالٌ يَجِبُ على سَبِيلِ المُواساةِ، فلم يَجِبْ حالًّا كالزَّكَاةِ، وكلُّ دِيةٍ تَحْمِلُها العاقلةُ، تَجِبُ مُؤَجَّلَةً؛ لما ذكرْنا، وما لا تَحْمِلُه العاقلةُ يَجِبُ حالًّا؛ لأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ، فلَزِمَ المُتْلِفَ حالًّا، كقِيَمِ المُتْلَفاتِ. وفارَقَ الذي تَحْمِلُه العاقلةُ؛ فإنَّه يَجِبُ مُواساةً، فأَلْزِمَ التَّأْجِيل تَخْفِيفًا على مُتَحَمِّلِه، وعُدِلَ به عن الأَصْلِ في التَّأْجِيلِ، كما عُدِلَ به عن الأصْلِ في إلْزامِه غيرِ الجانِى.

فصل: ولا يَلْزَمُ القاتِلَ شيءٌ من الدِّيَةِ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: هو كواحدٍ من العاقلةِ؛ لأنَّها وجَبَتْ عليهم إعانةً له، فلا يَزِيدُونَ عليه فيها. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، مُتَّفَقٌ عليه (١٧). وهذا يَقْتَضِى أنَّه قَضَى بجَمِيعِها عليهم، ولأنَّه قاتِلٌ لم تَلْزَمْه الدِّيَةُ، فلم يَلْزَمْه بعضُها، كما لو أمَرَه الإِمامُ بقَتْلِ رَجُلٍ، فقَتَلَهُ يَعْتَقِدُ أنَّه بحَقٍّ، فبان مَظْلُومًا، ولأنَّ الكَفَّارةَ تَلْزَمُ القاتِلَ في مالِه، وذلك يَعْدِلُ قِسْطَه من الدِّيَةِ وأكثرَ منه، فلا حاجَةَ إلى إِيجابِ شيءٍ من الدِّيَةِ عليه.

فصل: والكَفَّارَةُ في مالِ القاتلِ لا يَدْخُلُها تَحَمُّلٌ. وقال أصحابُ الشافعىِّ، في أحدِ الوَجْهينِ: تكونُ في بَيْتِ المالِ؛ لأنَّها تَكْثُر، فإيجابُها في مالِه يُجْحِفُ به. ولَنا، أنَّها كَفَّارَةٌ، فلا تَجِبُ على غيرِ مَنْ وُجِدَ منه سَبَبُها، كسائرِ الكَفَّاراتِ، وكما لو كانت صَوْمًا، ولأنَّ الكفارةَ شُرِعَتْ للتَّكْفِيرِ عن الجانِى، ولا يُكَفَّرُ عنه بِفِعْلِ غيرِه، ويُفارِقُ الدِّيَةَ، فإنَّها إنَّما شُرِعَتْ لجَبْرِ المَحَلِّ، وذلك يَحْصُلُ بها كيْفما كان، ولأنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا قَضَى بالدِّيَةِ على العاقلةِ، لم يُكَفِّرْ عن القاتِلَةِ (١٨). وما ذكَرُوه لا أصْلَ له، ولا يَصِحُّ


(١٦) تقدم تخريجه في صفحة ١٧.
(١٧) تقدم تخريجه في صفحة ١٦.
(١٨) في م: "القاتل" وانظر الحديث الذي تقدم تخريجه عن أبي هريرة، في صفحة ١٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>