للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وإِنْ قَذَفَ امرأتَه المجنونةَ بِزِنًى أضَافَه إلى حالِ إفاقَتِها، أو قَذَفَها وهى عاقِلَةٌ، ثم جُنَّت، لم يَكُنْ لها المُطالبةُ، ولا لِوَلِيِّها قَبْلَ إفاقَتِها؛ لأنَّ هذا طريقُه التَّشَفِّى، فلا يَنُوبُ عنه الوَلِىُّ فيه، كالقصاصِ، فإذا أفاقَتْ فلها المُطالَبَةُ بالْحَدِّ، وللزَّوْج إسْقاطُه باللِّعانِ، وإِنْ أرادَ لِعانَها فى حالِ جُنونِها، ولا وَلَدَ يَنْفِيه، لم يَكُنْ له ذلك؛ لعدَمِ الحاجَةِ إليه؛ لأنَّه لم يَتَوَجَّهْ عليه حَدٌّ فيُسْقِطَه، ولا نَسَبٌ فَيَنْفِيَهُ. وإِنْ كان هناكَ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفيَه، فالذى يَقْتضِيه المذهبُ أنَّه لا يُلاعِن، ويَلْحَقُه الوَلدُ؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يَنْتَفِى باللِّعانِ مِن الزَّوْجَيْنِ، وهذه لا يَصِحُّ منها لِعانٌ. وقد نَصَّ أحمدُ، فى الخَرْساءِ، أنَّ زوجَها لا يُلاعِنُ. فهذه أوْلَى. وقال الخِرَقِىُّ فى العاقِلَةِ: لا يُعْرَضُ له حتى تُطالِبَه زَوْجته. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّها أحَدُ الزَّوْجَين، فلم يُشْرَعِ اللّعانُ مع جُنونِه (٢٠)، كالزَّوْجِ، ولأنَّ لِعانَ الزَّوجِ وحدَه لا يَنْتَفِى به الوَلَدُ، فلا فائدةَ فى مَشْروعِيَّتِه. وقال القاضى: له أَنْ يُلاعِنَ لنَفْىِ الوَلَدِ؛ لأنَّه مُحْتاجٌ (٢١) إلى نَفْيِه، فيُشْرَعُ (٢٢) له طريقٌ إلى نَفْيه. وقال الشّافِعىُّ: له أَنْ يُلاعِنَ. وظاهِرُ مذهبه أنَّ له لِعانَها مع عَدَمِ الوَلَدِ، لدُخُولِه فى عُمُومِ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ}. ولأنَّه زَوْجٌ مُكَلَّفٌ، قاذِفٌ لامرأتِه، التى يُولَدُ لِمثْلِها، فكان له أَنْ يُلاعِنَها، كما لو كانت عاقِلَةً.

فصل: فأمَّا الأخْرَسُ والخَرْساءُ؛ فإنْ كانا غيرَ مَعْلُومَى الإِشارَةِ والكِتابَةِ، فهما كالْمَجْنُونَيْنِ فيما ذكَرْناه؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ منهما لِعانٌ، ولا يُعْلَمُ مِن الزَّوجِ قَذْفٌ، ولا مِن المرأةِ مُطالَبَةٌ. وإِنْ كانا مَعْلُومَىِ الإِشارةِ والكتابةِ، فقد قال أحمدُ؛ إذا كانتِ المرأةُ خَرْساءَ لم تُلاعَنْ؛ لأنَّه لا تُعْلَمُ مُطالَبَتُها. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، وأبى عُبَيْدٍ، وإسْحاقَ (٢٣)، وأصحابِ الرَّأْىِ. وكذلك يَنْبغِى أَنْ يكونَ فى الأخْرَسِ؛ وذلك لأنَّ اللِّعانَ لَفْظٌ يَفْتَقِرُ إلى الشَّهادَةِ، فلم يَصِحَّ مِن الأخْرسِ، كالشَّهادةِ الحقيقيَّةِ، ولأنّ


(٢٠) فى أ: "مجنونه".
(٢١) فى أ: "يحتاج".
(٢٢) فى ب، م: "فشرع".
(٢٣) سقط من: م.

<<  <  ج: ص:  >  >>