للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من أصْحابِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: أَغَرْنَا على حَيٍّ من جُهَيْنَةَ (١١)، فطَلَبَ رَجُلٌ من المُسْلِمِينَ رَجُلًا منهم، فضَرَبَه فأخْطَأَهُ، فأصابَ نَفْسَهُ بالسَّيْفِ، فقال رسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَخُوكُمْ يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ". فَابْتَدَرَهُ الناسُ، فَوَجَدُوهُ قد ماتَ، فَلَفَّهُ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بثِيابِه ودِمائِه، وصَلَّى عليه، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أشَهِيدٌ هو؟ قال: "نَعَمْ، وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ". وعَامِرُ بنُ الأكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يومَ خَيْبَرَ، فذَهَبَ يَسْفُلُ له (١٢)، فَرَجَعَ سَيْفُه على نَفْسِه، فكانتْ فيها نَفْسُه (١٣). فلم يُفْرَدْ عن الشُّهَدَاءِ بِحُكْمٍ. ولأنَّه شَهِيدُ المَعْرَكَةِ، فأشْبَهَ ما لو قَتَلَهُ الكُفَّارُ، وبهذا فارَقَ، ما لو كان في غيرِ المُعْتَرَكِ، فأمَّا إن سَقَطَ من دَابَّتِه، أو وُجِدَ مَيِّتًا لا (١٤) أثَرَ به، فإنَّه يُغَسَّلُ. نَصَّ عليه أحمدُ، وتَأَوَّلَ الحَدِيثَ: "ادْفِنُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ" (١٥). فإذا كان به كَلْمٌ لم يُغَسَّلْ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ في الذي يُوجَدُ مَيِّتًا لا أثَرَ به. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يُغَسَّلُ بِحالٍ؛ لاحْتِمالِ أنَّه ماتَ بِسَبَبٍ مِن أسْبابِ القِتالِ. ولَنا، أنَّ الأصْلَ وُجُوبُ الغُسْلِ، فلا يَسْقُطُ بالاحْتِمالِ، ولأنَّ سُقُوطَ الغُسْلِ في مَحَلِّ الوِفَاقِ مَقْرُونٌ بمَن كُلِمَ، فلا يجوزُ حَذْفُ ذلك عن دَرَجَة الاعْتِبارِ.

فصل: ومَن قُتِلَ من أهْلِ العَدْلِ في المَعْرَكَةِ، فَحُكْمُه في الغُسْلِ والصَّلَاةِ عليه (١٦)، حُكْمُ مَن قُتِلَ في مَعْرَكَةِ المُشْرِكِينَ؛ لأنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّه عنه لم يُغَسِّلْ


(١١) جهينة: قبيلة من قضاعة.
(١٢) يسفل: أي يضربه من أسفله.
(١٣) أخرجه مسلم، في: باب غزوة ذى قرد وغيرها، من كتاب الجهاد. صحيح مسلم ٣/ ١٤٤٠. والإِمام أحمد، في: المسند ٤/ ٥١، ٥٢.
(١٤) في أ، م: "ولا".
(١٥) تقدم في صفحات ٤٦٧ - ٤٦٩.
(١٦) سقط من: م.

<<  <  ج: ص:  >  >>