للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من الدَّارَيْنِ. ولَنا، أنَّ هذا ماءٌ انْفَرَدَ بِاسْتِحْقاقِه، فكان له أن يَسْقِىَ منه ما شاءَ، كما لو انْفَرَدَ به من أصْلِه. ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرُوه في الدَّارَيْنِ، وإن سَلَّمْنا فالفَرْقُ بينهما أنَّ كلَّ دارٍ يَخْرُجُ منها [إلى دَرْبٍ] (٨٤) مُشْتَرَكٍ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ لكلِّ دارٍ سُكَّانًا، فيَجْعَلُ لِسُكَّانِ كلِّ واحِدَةٍ منهما اسْتِطْرَاقًا إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، لم يَكُنْ لهم حَقٌّ في اسْتِطْرَاقِه، وههُنا إنَّما يَسْقِى من سَاقِيَتِه المُفْرَدَةِ التي لا يُشَارِكُه غيرُه فيها، فلو صارَ لِتِلْكَ الأرْضِ رَسْمٌ من الشُّرْبِ من سَاقِيَتِه، لم يَتَضَرَّرْ بذلك أحَدٌ. ولو كان يَسْقِى من هذا النَّهْرِ بِدُولَابٍ، فأحَبَّ أن يَسْقِىَ بذلك الماءِ أرْضًا لا رَسْمَ لها في الشُّرْبِ من ذلك النَّهْرِ، فالحُكْمُ في ذلك على ما ذَكَرْنا من الخِلَافِ في التي قبلَها. وإن كان الدُّولابُ يَغْرِفُ من نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، جازَ أن يَسْقِىَ بِنَصِيبِه من الماءِ أرْضًا لا رَسْمَ لها في الشُّرْبِ منه، بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه. فإن ضاقَ الماءُ، قُدِّمَ الأَسْبَقُ فالأَسْبَق، على ما مَضَى.

فصل: ولكلِّ واحدٍ منهم أن يَتَصَرَّفَ في ساقِيَتِه المُخْتَصَّةِ به بما أحَبَّ، من إجْرَاءِ غيرِ هذا الماءِ فيها، أو عَمَلِ رَحًى عليها، أو دُولابٍ، أو عَبَّارَةٍ، وهى خَشَبَةٌ تُمَدُّ على طَرَفَىِ النَّهْرِ، أو قَنْطَرَةٍ يَعْبُرُ الماءُ فيها، وغيرِ ذلك من التَّصَرُّفاتِ؛ لأنَّها مِلْكُه، لا حَقَّ لغيرِه فيها. فأمَّا النَّهْرُ المُشْتَرَكُ، فليس لواحِدٍ منهم أن يَتَصَرَّفَ فيه بشيءٍ من ذلك؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ في النَّهْرِ المُشْتَرَكِ وفي حَرِيمِهِ بغيرِ إذْنِ شُرَكائِه. وقال القاضي في العَبَّارَةِ: هذا يَنْبَنِى على الرِّوَايَتَيْنِ، في مَن أرادَ أن يُجْرِىَ ماءَه في أرْضِ غيرِه. والصَّحِيحُ أنَّه لا يَجُوزُ ههُنا، ولا يَصِحُّ قِيَاسُ هذا على إجْرَاءِ الماءِ في أرْضِ غيرِه؛ لأنَّ إجْرَاءَ الماءِ في أرْضِ غيرِه (٨٥) يَنْفَعُ صَاحِبَها، لأنَّه يَسْقِى عُرُوقَ شَجَرِه، ويَشْرَبُهُ أوَّلًا وَآخِرًا. وهذا (٨٦) لا يَنْفَعُ النَّهْرَ، بل رُبَّما أفْسَدَ حَافَّتَيْهِ، ولم يَسْقِ له شيئا. ولو أرَادَ أحَدُ


(٨٤) في ب، م: "درب آخر".
(٨٥) سقط من: ب، م.
(٨٦) في الأصل: "ولأن هذا".

<<  <  ج: ص:  >  >>