للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فصل: قال أحمدُ، رحمه اللَّه، في رَجُلٍ له دارٌ في الرَّبَضِ، أو قَطيعَةٌ، فأرَادَ التَّنَزُّهَ منها. قال: يَقِفُها. قال: القَطَائِعُ تَرْجِعُ إلى الأصْل إذا جَعَلَها لِلْمَساكِينِ. فظاهِرُ هذا إباحَةُ وَقْفِ السَّوَادِ، وهو في الأصْلِ وَقْفٌ؛ ومَعْنَاه أنّ وَقْفَها يُطَابِقُ الأصْلَ؛ لا أنَّها تَصِيرُ بهذا القول وَقْفًا.

٩٢٩ - مسألة؛ قال: (ويَصِحُّ وَقْفُ الْمُشَاعِ)

وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعيُّ، وأبو يوسفَ. وقال محمدُ بن الحَسَنِ: لا يَصِحُّ. وبَنَاهُ على أصْلِه في أنَّ القَبْضَ شَرْطٌ، وأنَّ القَبْضَ لا يَصِحُّ في المُشَاعِ. ولَنا، أنَّ في حَدِيثِ عمرَ أنَّه أصَابَ مائةَ سَهْمٍ من خَيْبَر، واسْتَأْذَنَ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها، فأمَرَه بِوَقْفِها (١). وهذا صِفَةُ المُشَاعِ، ولأنَّه عَقْدٌ يجوزُ على بعضِ الجُمْلَةِ مُفْرَزًا (٢) فجازَ عليه مُشَاعًا، كالبَيْعِ، أو عَرْصَةٍ يجوزُ بَيْعُها، فجازَ وَقْفُها، كالمُفْرَزَةِ (٣)، ولأنَّ الوَقْفَ تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعةِ، وهذا يَحْصُلُ في المُشَاعِ، كحُصُولِه في المُفْرَزِ (٤)، ولا نُسَلِّمُ اعْتِبارَ القَبْضِ، وإن سَلَّمْنا، فإذا صَحَّ في البَيْعِ صَحَّ في الوَقْفِ.

فصل: وإن وَقَفَ دَارَه على جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، مثل أن يَقِفَها على أوْلادِه وعلى المَساكِينِ، نِصْفَيْنِ، أو أثْلَاثًا، أو كيفما كان، جازَ. وسواءٌ جَعَلَ مَآلَ المَوْقُوفِ على أوْلادِه وعلى المَساكِينِ، أو على جِهَةٍ أخرى سِوَاهُم؛ لأنَّه إذا جازَ وَقْفُ الجُزْءِ مُفْرَدًا، جازَ وَقْفُ الجُزْأَيْنِ. وإن أطْلَقَ الوَقْفَ، فقال: أوْقَفْتُ دَارِى هذه على أوْلادِى، وعلى المَساكِينِ. فهى بينهما نِصْفَيْنِ (٥)؛ لأن إطْلاقَ الإِضَافةِ إليهما


(١) تقدم تخريجه في صفحة ١٨٤.
(٢) في الأصل: "مقررا".
(٣) في الأصل: "كالمقررة".
(٤) في الأصل: "المقرر".
(٥) أي تقسم نصفين.

<<  <  ج: ص:  >  >>