للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ العَقْدَ يَلْزَمُ في بَيْعِ العَقَارِ قبل قَبْضِه، ويَدْخُلُ المَبِيعُ في مِلْكِ المُشْتَرِى وضَمَانِه، ويجوزُ له التَّصَرُّفُ فيه بِنَفْس العَقدِ، فصَارَ كما لو قَبَضَهُ المُشْتَرِى. وقال القاضي: ليس له أَخذُه من البائِعِ، ويُجْبِرُ الحاكِمُ المُشْتَرِىَ على قَبْضِه، ثم يَأْخُذُه الشَّفِيعُ منه. وهذا أَحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصَحْابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَشْتَرِى الشِّقْصَ من المُشْتَرِى، فلا يَأْخُذُه من غيرِه. وبَنَوْا ذلك على أن المَبِيعَ لا يِتِمُّ إلَّا بالقَبْضِ، فإذا فاتَ القَبْضُ بَطَلَ العَقْدُ، وسَقَطَتِ الشُّفْعَةُ.

فصل: وإذا أَقَرَّ البائِعُ بالبَيْعِ، وأَنْكَرَ المُشْتَرِى، ففيه. وَجْهانِ؛ أحدُهما، لِلشَّفِيعِ الأَخْذُ بالشُّفعَةِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والمُزَنِىِّ. والثانى، ليس له الأَخْذُ بها. ونَصَرَهُ الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ في "مَسَائِلِه". وهو قولُ مالِكٍ، وابنِ شُرَيْحٍ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ فَرْعٌ لِلْبَيْعِ (٧٨)، ولم يَثبُتْ فلا يَثْبُتُ فَرْعُه، ولأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَأْخُذُ الشِّقْصَ من المُشْتَرِى، وإذا أَنْكَرَ البَيْعَ لم يُمْكِنِ الأَخْذُ منه. وَوَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّ البائِعَ أقَرَّ بِحَقَّيْنِ؛ حَقٍّ لِلشَّفِيعِ، وحَقٍّ لِلمُشْتَرِى، فإذا سَقَطَ حَقُّ المُشتَرِى بإِنْكارِه، ثَبَتَ حَقُّ الشَّفِيعِ، كما لو أقَرَّ بِدَارٍ لِرَجُلَيْنِ، فأَنْكَرَ أحَدُهُما، ولأنَّه أَقَرَّ لِلشَّفِيعِ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لأَخْذِ هذه الدَّارِ، والشَّفِيعُ يَدَّعِى ذلك، فوَجَبَ (٧٩) قَبُولَه، كما لو أقَرَّ أنَّها مِلْكُه. فعلى هذا يَقْبِضُ الشَّفِيعُ من البائِعِ، ويُسَلِّمُ إليه الثمَنَ، ويكونُ دَرْكُ الشَّفِيعِ على البائِعِ، لأنَّ القَبْضَ منه، ولم يَثْبُتِ الشِّرَاءُ في حَقِّ المُشْتَرِى. وليس لِلشَّفِيعِ ولا لِلْبائِعِ مُحَاكَمَةُ المُشْتَرِى؛ ليَثْبُتَ البَيْعُ في حَقِّه، وتكون العُهْدَةُ عليه؛ لأنَّ مَقْصُودَ البائِعِ الثَّمَنُ، وقد حَصَلَ من الشَّفِيعِ، ومَقصُودَ الشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ وضَمَانُ العُهْدَةِ، وقد حَصَلَ من البائِعِ، فلا فائِدَةَ في المُحَاكَمةِ. فإنَّ قيل: أليسَ لو ادَّعَى على رَجُلٍ دَيْنًا، فقال آخَرُ: أنا أَدْفَعُ إليك الدَّيْنَ الذي تَدَّعِيه، ولا تُخَاصِمْه. لا يَلْزَمُه قَبُولُه، فهل لا قُلْتُم ههُنا كذلك؟ قُلْنا: في


(٧٨) في الأصل: "البيع".
(٧٩) في م: "فيوجب".

<<  <  ج: ص:  >  >>