للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فصل: وان أقامَ المُدَّعَى عليه بَيِّنةً أنَّه كان يومَ القتلِ في بلدٍ بعيدٍ من بلدِ المقْتُولِ، لا يُمْكِنُ مَجيئُه منه إليه في يومٍ واحدٍ، بَطَلَتِ الدَّعْوَى. وإن قالتِ البَيِّنَةُ: نَشْهدُ أنَّ فلانًا لم يقْتُلْه. لم تُسمَعْ هذه الشهادةُ؛ لأنَّه نَفْيٌ مُجرَّدٌ. فإن قالا: ما قتَلَه فلانٌ، بل قتلَه فلانٌ. سُمِعَت؛ لأنَّها شَهِدَتْ بإثْباتٍ تَضَمَّنَ النَّفْىَ، فسُمِعَتْ، كما لو قالتْ: ما قتَلَه فلانٌ؛ لأنَّه كان (٣٤) يومَ القتلِ في بلَدٍ بَعِيدٍ.

فصل: فإن جاءَ رجلٌ، فقال: ما قَتلَه هذا المُدَّعَى عليه، بل أنَا قَتلتُه. فكَذَّبَه الوَلِيُّ، لم تَبْطُلْ دَعْواه، وله القَسامةُ، ولا يَلْزَمُه رَدُّ الدِّيَةِ إن كان أخَذها؛ لأنَّه قولٌ واحدٌ، ولا يلْزَمُ المُقِرَّ شيءٌ؛ لأنَّه أقَرَّ لمن يُكَذِّبُه. وإن صَدَّقَه الوَلِيُّ، أو طالبَه بمُوجَبِ القَتْلِ، لَزِمَهُ رَدُّ ما أخذَه (٣٥)، وبَطَلَتْ دَعْوَاه على الأوَّلِ؛ لأنَّ ذلك جَرَى مَجْرَى الإِقْرارِ ببُطْلانِ الدَّعْوَى. وهل له مُطالبةُ المُقِرِّ؟ فيه وَجْهان؛ أحدهما، له مُطالبتُه؛ لأنَّه أقرَّ له بحَقٍّ، فمَلَكَ مُطالبتَه به، كسائرِ الحقوقِ. والثاني، ليس له مُطالبتُه؛ لأنَّ دَعْوَاه على الأوَّلِ انْفرادَه بالقتلِ؛ إبْراءٌ لغيرِه، فلا يَمْلِكُ مُطالبةَ مَنْ أبْرَأَه. والمنصوصُ عن أحمدَ، رحمَه اللهُ، أنَّه يَسْقُطُ القَوَدُ عنهما، وله مُطالبةُ الثاني بالدِّيَةِ، فإنَّه قال، في رجلٍ شَهِدَ عليه شاهِدانِ بالقَتْلِ، فأُخِذَ لِيُقادَ (٣٦) منه، فجاءَ رجلٌ، فقال: ما قتَلَه هذا، أنا قَتَلْتُه: فالقَوَدُ يسَقُطُ عنهما، والدِّيَةُ على الثاني. ووَجْهُ ذلك ما رُوِيَ، أنَّ رجلًا ذبَحَ رجلًا في خَرِبَةٍ، وَتَرَكَه وهَرَبَ، وكان قَصَّابٌ قد ذبحَ شاةً، وأرادَ ذَبْحَ أُخْرَى، فهَرَبَتْ منه إلى الخَرِبَةِ، فتَبِعَها حتى وقفَ على القتيلِ، والسِّكِّينُ بيَدِه مُلَطَّخَةٌ بالدَّمِ، فأخِذَ على تلك الحالِ، وجىءَ به إلى عمرَ، رضيَ اللَّه عنه، فأمرَ بقَتْلِه، فقال القاتلُ في نفسِه: يا وَيْلَه، قتلتُ نفسًا، ويُقتَلُ بسَببي آخَرُ. فقام فقال: أنا قَتَلتُه، ولم


(٣٤) في م: "كل". خطأ.
(٣٥) في الأصل: "أخذ".
(٣٦) في م: "ليقتاد".

<<  <  ج: ص:  >  >>