للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالكُلِّيَّة. وقالَ أصحابُ الشافعيِّ: إذا نَكَلَ المُدَّعَى عليهم رُدَّتِ الأيْمانُ على المُدَّعِين، إن قُلْنا: مُوجَبُها المالُ. فإن حَلَفُوا، اسْتَحقُّوا، وإن نَكَلُوا، فلا شىءَ لهم. وإن قُلْنا: مُوجَبُها القِصاصُ. فهل تُرَدُّ على المُدَّعِين؟ فيه قَوْلان. وهذا القولُ لا يصْلُحُ؛ لأنَّ اليَمِينَ إنَّما شُرِعتْ في حقِّ المُدَّعَى عليه إذا نَكَلَ عنها المُدَّعِي، فلا تُرَدُّ عليه، كما لا تُرَدُّ على المُدَّعَى عليه إذا نَكَلَ المُدَّعِي عنها بعدَ ردِّها عليه في سائرِ الدَّعاوَى، ولأنها يَمِينٌ مَرْدُودةٌ على أحدِ المُتَداعِيَيْن، فلا تُرَدُّ على مَن ردَّها، كدَعْوَى المالِ.

١٥٢٤ - مسألة؛ قال: (وإذَا شَهِدَت الْبَيِّنَةُ العَادِلَةُ أنَّ المجْرُوحَ قالَ: دَمِي عِنْدَ فُلانٍ. فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ للقَسَامَةِ (١)، مَا لمْ يَكُنْ لَوْثٌ)

هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الثوريُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وقال مالكٌ، واللَّيْثُ: هو لَوْثٌ؛ لأنَّ قَتيلَ بني إسرائيلَ قال: قَتلَنى فلانٌ (٢). فكان حُجَّةً. ويُرْوَى (٣) هذا القولُ عن عبدِ الملك بنِ مَرْوان. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْواهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ" (٤). ولأنَّه يَدَّعِى حَقًّا لنفسِه، فلم يُقْبَلْ قولُه، كما لو لم يَمُتْ؛ ولأنَّه خَصْمٌ، فلم تكُنْ دَعْوَاه لَوْثًا، كالوَلِيِّ. فأمَّا قتيلُ بني إسرائيلَ، فلا حُجَّةَ فيه، فإنَّه لا قَسامةَ فيه، ولأنَّ ذلك كان من آياتِ اللهِ ومُعْجِزاتِ نَبِيِّهِ موسى عليه السلام، حيثُ أحْياهُ اللَّه تعالى بعدَ مَوْتِه، وأنْطَقَهُ بقُدْرَتِه بما اخْتَلَفُوا فيه. ولم يكُنِ اللهُ تعالى لِيُنْطِقَه بالكَذِبِ، بخلافِ الْحَيِّ، ولا سبيلَ إلى مثلِ هذا اليومَ، ثم ذاك في (٥) تَبْرِئَةِ (٦) المُتَّهمِين، فلا يجوزُ تَعْدِيَتُها إلى تُهْمَةِ البَرِيئِين.


(١) في ب: "القسامة".
(٢) انظر: ما أخرجه الطبري، في تفسير الآية ٦٧، ٦٨ من سورة البقرة. تفسير الطبري ١/ ٣٣٨، ٣٣٩.
(٣) في م: "وروى".
(٤) تقدم تخريجه، في: ٦/ ٥٢٥.
(٥) سقط من: ب.
(٦) في ب، م: "تنزيه".

<<  <  ج: ص:  >  >>