للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سَهْمِكَ، فكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِى الماءِ، فَلَا تأكُلْ". روَاه البخارِىُّ. وقال عليه السلام: "وإِنْ وَجَدْتَه غرِيقًا فِى الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ". ولأَنَّه إذا وُجِدَ (١٩) به أَثَرٌ يصلُحُ أَنْ يكونَ قد قَتَلَه، فقد تَحَقَّقَ المُعارِض، فلم يُبَحْ، كما لو وَجَدَ مع كلبِه كلْبًا سِواهُ، فأمَّا إنْ كانَ الأثَرُ ممَّا لايقْتُلُ مثلُه، مثل أَكلِ حَيَوانٍ ضَعِيفٍ، كالسِّنَّوْرِ والثَّعْلَبِ، من حيوانٍ قَوِىٍّ، فهو مُباحٌ؛ لأنَّه يعلمُ أَنَّ هذا لم يقْتُلْه، فأشْبَه ما لو تَهَشَّمَ من وقْعَتِه.

١٧١٠ - مسألة؛ قال: (وإذَا رَماهُ، فَوَقَعَ فِى ماءٍ، أو تَرَدَّى مِن جَبَلٍ، لَمْ يُؤْكَلْ)

يَعْنِى وَقَعَ فى ماءٍ يقتلُه (١) مثلُه، أو تَرَدَّى تَرَدِّيًا يقْتلُه مثلُه. ولا فَرْقَ فى قولِ الْخِرَقِىِّ بين كَوْنِ الجِراحَةِ مُوحِيَةً أو غيرَ مُوحِيَةٍ. هذا المشهورُ عن أحمدَ، وظاهِرُ قولِ ابن مَسْعُود، وعَطاءٍ، ورَبِيعَةَ، وإسحاقَ، وأَصْحابِ الرَّأْىِ. أَكْثَرُ أَصْحَابِنا المتأخِّرين (٢) يقولُون: إنْ كانَت الجِراحَةُ موحِيَةً، مثل إنْ ذَبَحَه أو أَبَانَ حِشْوَتَه، لم يَضُرَّ وُقوعُه فى الماءِ ولا تَرَدِّيه. وهو قولُ الشافِعِىِّ، ومالِكٍ، واللَّيْثِ، وقَتادَةَ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ هذا صارَ فى حُكْمِ الميِّتِ بالذَّبْحِ، فلا يُؤثِّرُ فيه ما أصابَهُ. ووَجْهُ الأوَّلِ، قولُه: "وإِنْ وَقَعَ فِى الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ" (٣). ولأنّه يَحْتَمِلُ أَنَّ الماءَ أعانَ على خُروجِ رُوحِه، فصارَ بمنزلَةِ ما لو كانت الجِراحَةُ غيرَ مُوحِيَةٍ، ولا خلافَ فى تحريمِه إذا كانَت الجِراحَةُ غيرَ موحِيَةٍ. ولو وقَعَ الحيوانُ فى الماءِ على وجْهٍ لا يقتُلُه، مثل أَنْ يكونَ رأسُه خارِجًا من الماءِ، أو يكونَ من طيْرِ الماءِ الذى لا يقتلُه الماءُ، أوكان التَّرَدِّى لا يقتلُ مثلَ ذلك الحيوان، فلا خِلافَ فى إباحَتِه، لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "فإنْ وَجَدْتَه غريقًا فى الماءِ فلا تأكُلْه" ولأنَّ الوُقُوعَ فى الماءِ والتَّرَدِّىَ إنَّما حُرِّمَ خَشْيَةَ أَنْ يكونَ قاتِلًا أو مُعِينًا على القَتْلِ، وهذا مُنْتَفٍ فيما ذَكَرْناه.

فصل: فإنْ رَمَى طائِرًا فى الهواءِ، أو على شَجَرَةٍ، أو جَبَلٍ، فَوَقَعَ إلى الأَرْضِ،


(١٩) فى م: "كان".
(١) فى أ: "يقتل".
(٢) فى ب: "المتأخرون".
(٣) تقدم تخريجه، فى صفحة ٢٧٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>