للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المَطَرَ في العُذْرِ في تَرْكِ الجُمُعةِ والجَمَاعَةِ، فَدَلَّ على تَسَاوِيهما في المَشَقَّةِ المَرْعِيَّةِ في الحُكْمِ.

فصل: فأمَّا الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ، في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ البَارِدَةِ، ففيها وَجْهَانِ: أَحَدُهما، يُبيحُ الجَمْعَ. قال الآمِدِىُّ: وهو أصَحُّ. وهو قولُ عمرَ بن عبدِ العزِيزِ؛ لأنَّ ذلك عُذْرٌ في الجُمُعةِ والجماعةِ، بِدَلِيلِ ما رَوَى محمدُ بن الصَّبَّاحِ، حدَّثنا سفيانُ، عن أيُّوب، عن نافِعِ، عن ابنِ عمر، قال: كان رسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُنَادِى مُنَادِيه في اللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ، أو اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ ذاتِ الرِّيح: "صَلُّوا في رِحَالِكُمْ". رَوَاه ابنُ مَاجَهَ (٣١)، عن محمدِ بن الصَّبَّاحِ. والثَّانِى، لا يُبِيحُه؛ لأنَّ المَشَقَّةَ فيه دونَ المَشَقَّةِ في المَطَرِ، فلا يَصِحُّ قِيَاسُه عليه، ولأنَّ مَشَقَّتَها مِن غيرِ جِنْسِ مَشَقَّة المَطرِ، ولا ضَابِطَ لذلك يَجْتَمِعانِ فيه، فلم يَصِحَّ إلْحَاقُه به.

فصل: هل يَجُوزُ الجَمْعُ لِمُنْفَرِدٍ، أو مَن كان طَرِيقُه إلى المَسْجِدِ في ظِلَالٍ يَمْنَعُ وُصُولَ المَطَرِ إليه، أو مَن كان مُقامُه في المَسْجِدِ؟ على وَجْهَيْنِ: أحدُهما، الجَوَازُ؛ لأنَّ العُذْرَ إذا وُجِدَ اسْتَوَى فيه حالُ وُجُودِ المَشَقَّةِ وعَدَمِها، كالسَّفَرِ، ولأنَّ الحاجةَ العَامَّةَ إذا وُجِدَتْ أثْبَتَتِ الحُكْمَ في حَقِّ مَنْ ليستْ له حَاجَةٌ، كالسَّلَمِ، وإبَاحةِ اقْتِنَاءِ الكَلْبِ لِلصَّيْدِ والمَاشِيَةِ في حَقِّ مَن لا يَحْتَاجُ إليهما، ولأنَّه قد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَعَ في المَطَرِ، وليس بين حُجْرَتِه والمَسْجِدِ شىْءٌ (٣٢). والثاني، المَنْعُ؛ لأنَّ الجَمْعَ لأجْلِ المَشَقَّةِ، فيَخْتَصُّ بمن تَلْحَقُه المَشَقَّةُ، [دونَ مَن لا تَلْحَقُه] (٣٣)؛ كالرُّخْصَةِ في التَّخَلُّفِ عن الجُمُعةِ والجَمَاعَةِ، يَخْتَصُّ بمَن تَلْحَقُه المَشَقَّةُ، دُونَ من لا تَلْحَقُه، كمن في الجَامِعِ والقَرِيبِ منه.


(٣١) سبق تخريجه في: ٢/ ٣٧٩.
(٣٢) تقدم في الصفحة السابقة.
(٣٣) سقط من: الأصل، أ.

<<  <  ج: ص:  >  >>