للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المسلمين أطْلَقَ اليَمِينَ، ولم يُقيِّدها. والاحْتِجاجُ بهذا (١٩) أوْلَى مِن المصيرِ إلى ما خُولِفَ فيه القِياسُ (٢٠) وتُرِكَ العملُ به. وأمَّا حديثُهم، فليس فيه دليلٌ على مَشْروعِيَّةِ اليَمِينِ عند المِنْبرِ، إنَّما فيه تَغليظُ الإِثم (٢١) على الحالفِ عندَه، ولا يَلْزَمُ من هذا الاسْتِحْلافُ عندَه. وأمَّا قِصَّةُ مَرْوانَ، فمِن العجبِ احْتِجاجُهم بها، وذَهابُهم إلى قولِ مَرْوانَ فى قَضِيَّةٍ خالفَه زيدٌ فيها، وقولُ زيدٍ، فَقِيهِ الصَّحابةِ وقاضيهم وأفْرَضِهم، أحقُّ أن يُحتَجَّ به مِن قَولِ مَرْوانَ؛ فإِنَّ قولَ مَرْوانَ لو انْفَردَ، ما جازَ الاحْتِجاجُ به، فكيف يجوزُ الاحْتِجاجُ به على مُخالفةِ إجماعِ الصَّحابةِ، وقولِ أئمَّتِهم وفُقهائِهم (٢٢)، ومُخالَفته فعلَ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإطلاقَ كتاب اللَّهِ تعالى؟ وهذا ما لا يجوزُ. وإنَّما ذكرَ الْخِرَقِىُّ التَّغْلِيظَ بالمكانِ واللَّفظِ فى حقِّ الذِّمِّىِّ، لِاسْتِحْلافِ النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اليهودَ، بقولِه: "نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ التَّورَاةَ عَلَى مُوسَى". ولقولِ اللَّهِ تَعالى فى حقِّ الكِتابِيَّيْن: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ}. ولأنَّه رُوِىَ عن كعبِ بن سُورٍ، فى نَصْرانِىٍّ قال: اذهبوا به إلى المَذْبحِ، واجْعَلُوا الإِنْجِيلَ فى حِجْرِه، والتَّوراةَ على رَأسِه. وقال الشَّعْبِىُّ فى نَصْرانىٍّ: اذْهَبْ به إلى البِيعَةِ، فاسْتحلِفْه بما يُسْتَحْلَفُ به مِثْلُه. وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعلمُ حُجَّةَ تُوجِبُ أَنْ يُسْتحْلَفَ فى مكانٍ بِعَيْنِه، ولا بيَمِين غيرِ [الذى يُسْتَحْلَفُ] (٢٣) بها المسلمون. وعلى كلِّ حالٍ، فلا خلافَ بين أهلِ العلمِ، فى أَنَّ التَّغْلِيظَ بالزمانِ والمكانِ والألْفاظِ غيرُ واجبٍ، إِلَّا أَنَّ ابنَ الصَّبَّاغِ ذكرَ أَنَّ فى وُجوبِ التَّغْليظِ بالمكانِ قَوْلَيْنِ للشَّافعىِّ. وخالفَه ابنُ القَاصِّ، فقال: لا خلافَ بين أهلِ العلمِ، فى أَنَّ القاضىَ حيثُ اسْتَحْلَفَ المُدَّعَى عليه فى عمَلِه وبلدِ قَضائِه (٢٤)، جازَ، وإنَّما التَّغْليظُ بالمكانِ فيه اخْتِيارٌ. فيكونُ التَّغْليظُ عندَ مَن رآه اخْتيارًا واسْتِحْسانًا.

فصل: قال ابنُ المُنْذِرِ: لم نَجِدْ أحدًا يُوجِبُ اليَمِينَ بالمُصْحَفِ. وقال الشافعىُّ: رأيتُهم يُؤكِّدون بالمُصْحَفِ، ورأيت ابنَ مَازِنٍ، وهو قاضى بصنعاءَ، يُغلِّظُ اليَمِينَ


(١٩) فى ب: "بها".
(٢٠) فى ب: "بالقياس".
(٢١) فى م: "اليمين".
(٢٢) سقط من: الأصل.
(٢٣) فى أ: "المستحلف".
(٢٤) فى الأصل: "قضاياه".

<<  <  ج: ص:  >  >>