للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقولُ أصحابِ الشَّافعىِّ: تُمْكِنُ الشَّهادةُ فى الوَقفِ باللَّفظِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الشَّهادةَ ليستْ بالعُقودِ هاهُنا، وإنَّما يُشْهَدُ بالوَقْفِ الحاصلِ بالعَقْدِ، فهو بمَنْزِلةِ المِلكِ، وكذلك يُشْهَدُ بالزَّوجيَّةِ دون العَقدِ، وكذلك الحُرِّيَّةُ (١٢) والوَلاءُ، وهذه جميعُها لا يُمْكِنُ القَطْعُ بها، كما لا يُمْكِنُ القَطْعُ بالمِلْكِ؛ لأنَّها مُترتِّبةٌ على المِلْكِ، فوجبَ أن تجوزَ الشَّهادةُ فيها بالاسْتِفاضَةِ (١٣)، كالمِلْكِ سَوَاءً. قال مالكٌ: ليس عندَنا مَن يَشْهَدُ (١٤) على أحْباسِ أصْحابِ (١٥) رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إلَّا على السَّماعِ. إذا ثبَتَ هذا، فكلامُ أحمدَ والْخِرَقِىِّ، يَقتضى أن لا يَشْهَدَ بالاسْتِفاضَةِ حتى تَكْثُرَ به الأخْبارُ، ويَسْمَعَه من عددٍ كثيرٍ يحْصُلُ به العِلمُ؛ لقولِ الخِرَقِىِّ: ما (١٦) تظاهَرتْ به الأخْبارُ، واسْتقرَّتْ معرفتُه فى قلْبِه (١٧). يَعنى حصَلَ العِلمُ به. وذكرَ القاضى، فى "المُجرَّدِ" أنَّه يَكفِى أن يَسْمَعَ مِن اثنيْنِ عَدْلَيْنِ، ويَسْكُنَ قلبُه إلى خبرِهما؛ لأنَّ الحُقوقَ تَثْبُتُ بقولِ اثْنَين. وهذا قولُ المتأخِّرينَ مِن أصحابِ الشَّافعىِّ. والقولُ الأوَّلُ هو الذى يَقْتَضيهِ لفظُ الاسْتفاضَةِ، [فإنَّها مَأْخُوذةٌ] (١٨) مِن فَيْضِ الماءِ؛ لكَثرَتِه، ولأنَّه لو اكْتُفِىَ فيه بقَوْلِ اثنيْنِ، لا يُشْترَطُ فيه ما يُشْترَطُ فى الشَّهادةِ على الشَّهادةِ، وإنَّما اكْتُفِىَ بمُجَرَّدِ السَّماعِ.

فصل: فإنْ كانَ فى يَدِ رجلٍ دارٌ أو عَقارٌ، يتَصَرَّفُ (١٩) فيها تَصرُّفَ المُلَّاكِ بالسُّكنَى، والإعارَةِ، والإجارةِ، والعِمارةِ، والهَدْمِ، والبناءِ، مِن غيرِ مُنازِعٍ، فقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامدٍ: يجوزُ أن يَشْهَدَ له بمِلْكِها. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والإِصْطَخْرِىِّ من أصحابِ الشَّافعىِّ. قال القاضى: ويَحْتَمِلُ أنْ لا يشْهَدَ إلَّا بما شَاهدَه (٢٠)


(١٢) فى الأصل: "الجزية".
(١٣) فى ازيادة: "حتى يكبر".
(١٤) فى أ، ب، م: "شهد".
(١٥) سقط من: أ.
(١٦) فى ب، م: "فيما".
(١٧) فى أ، ب، م: "القلب".
(١٨) فى الأصل: "فإنه مأخوذ".
(١٩) فى أ: "ويتصرف".
(٢٠) فى أ، ب: "يشاهده".

<<  <  ج: ص:  >  >>