للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أيام، فأتَى قَرْيَةً، فسَقَطَ على حائِطٍ، فدَعَاه رَجُلٌ فأجَابَه؟ قال: يَرُدُّه على صاحِبهِ. قيل له: فإن دَعَاهُ فلم يُجِبْه فنَصَبَ له شَرَكًا فصَادَه به؟ قال: يَرُدُّه على صاحِبِه. فجَعَلَ هذا لِصَاحِبه؛ لأنَّه قد مَلَكَه، فلم يَزُلْ مِلْكُه عنه بِذَهَابِه عنه، والسَّمَكَة في الشَّبَكةِ، لم يكُنْ مَلَكَها ولا حَازَها، وكذلك جَعَلَ ما وَقَعَ في الْحُبُولَةِ من البازِيِّ والصَّقْرِ والعُقَابِ لِصاحِبِ الحبُولَةِ، ولم يَجْعَلْه ههُنا لمن وَقَعَ في شَرَكِه؛ لأنَّ (١٩) هذا فيما عُلِمَ أنَّه قد كان مَمْلُوكًا لإِنسانٍ فذهَبَ، وإنَّما يُعلَمُ هذا بالخَبَرِ، أو بِوُجُودِ ما يَدُلُّ على المِلْكِ فيه، مثل وُجُودِ السَّيْرِ في رِجْلِه، أو آثارِ التَّعْلِيمِ (٢٠)، مثل اسْتِجَابَتِه للذى يَدْعُوه، ونحو ذلك. ومتى لم يُوجَدْ ما يَدُلُّ على أنَّه مَمْلُوكٌ، فهو لمن اصْطَادَه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ المِلْكِ فيه وإبَاحَتُه.

فصل: ومن أُخِذَتْ ثِيَابُه من الحَمّام، ووَجَدَ بَدَلَها، أو أُخِذَ مَدَاسُه، وتُرِكَ له بَدَلُه، لم يَمْلِكْه بذلك. قال أبو عبدِ اللَّه، في مَن سُرِقَتْ ثِيَابُه وَوَجَدَ غيرَها: لم يَأْخُذْها، فإن أخَذَها عَرَّفَها سَنةً، ثم تَصَدَّقَ بها. إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ سارِقَ الثِّيابِ لم تَجْرِ بينه وبين مالِكِها مُعَاوَضَةٌ تَقتَضِى زَوَالَ مِلْكِه عن ثِيَابِه، فإذا أخَذَها فقد أخَذَ مالَ غيرِه، ولم يَعْرِفْ صاحِبَه، فيُعَرِّفُه كاللُّقَطَةِ. ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَرَ في هذا، فإن كانت ثَمَّ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على السَّرِقَةِ، بأن تكونَ ثِيَابُه أو مَدَاسُه خَيْرًا من المَتْرُوكةِ، وكانت ممَّا لا تَشْتَبِهُ على الآخِذِ بِثِيَابِه ومَدَاسِه، فلا حاجَةَ إلى التَّعْرِيفِ؛ لأنَّ التَّعْرِيفَ إنَّما جُعِلَ (٢١) في المالِ الضائِعِ عن رَبِّه، لِيَعْلَمَ به ويَأْخُذَه، وتارِكُ هذا عالِمٌ به راضٍ بِبَدَلِه عِوَضًا عما أخَذَه، ولا يَعْتَرِفُ أنَّه له، فلا يَحْصُلُ في تَعْرِيفِه فائِدَةٌ، فإذا ليس هو بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، وفيما يَصْنَعُ بها ثلاثةُ أَوْجُهٍ؛ أحدها، أنَّه يَتَصَدَّقُ بها على ما ذَكَرْنا. الثاني، أنَّه يُباحُ له أخْذُها؛ لأنَّ صاحِبَها في الظاهِرِ تَرَكَها له باذِلًا إيَّاها له عِوَضًا عما أخَذَه، فصارَ كالمُبِيحِ له أخْذَها بِلِسَانِه، فصارَ كمن قَهَرَ


(١٩) في الأصل: "لأنه".
(٢٠) في م: "التعلم".
(٢١) في الأصل: "يجعل".

<<  <  ج: ص:  >  >>