للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يَمِينٍ، ولا تُسْمَعُ الدَّعْوَى فى هذا، ولا فى حدٍّ للَّهِ تعالى؛ لأنَّه لا حقَّ للمُدَّعِى فيه، ولا وِلايةَ له عليه، فلا تُسْمَعُ منه دَعْواهُ حقًّا لغيرِه من غيرِ إذْنِه، ولا وِلايةَ له عليه. فإن تضَمَّنتْ دَعْواه حقًّا له، مثل أن يَدَّعِىَ سَرقةَ مالِه، ليُضَمِّنَ السارِقَ، أو يأخُذَ منه ما سرَقَه، أو يَدَّعِىَ عليه الزِّنَى بجارَيَتِه؛ ليأْخُذَ مَهْرَها منه، سُمِعَتْ دَعْواهُ، ويُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عليه لِحَقِّ الآدَمِىِّ، دونَ حقِّ اللَّهِ تعالى.

١٩١٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا شَهِدَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ اثْنَانِ، أَنَّ هَذَا زَنَى بِهَا فِى هَذَا الْبَيْتِ، وَشَهِد الآخرَانِ أنَّه زَنَى بِهَا فِى الْبَيْتِ الآخرِ، فَالْأَرْبَعَةُ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ)

وجملتُه، أَنَّ مِن شَرْطِ صحَّةِ الشَّهادةِ على الزِّنَى، اجْتماعُ الشُّهودِ الأرْبعةِ على فعلٍ واحدٍ، فإنْ لم يَجْتمِعُوا، لم تَكْمُلِ الشَّهادةُ، وكان الجميعُ قَذَفَةً، وعليهم الحدُّ، فإذا شهِدَ اثنان أنَّه زنَى بها فى هذا البيتِ، واثنان أنَّه زَنَى بها فى بيتٍ آخَرَ، فما اجْتمَعُوا على الشَّهادةَ بزنًى واحدٍ؛ لأنَّ الزِّنَى فى هذا البيتِ غيرُ الزِّنَى فى الآخَرِ، فلم تَكْمُلْ شهادتُهم، ويُحَدُّون حدَّ القَذْفِ. وبهذا قال مالكٌ، والشَّافعىُّ فى أحدِ قَوْلَيْهِ. وقال أبو بكرٍ: تَكْمُلُ شهادتُهم، ويُحَدُّ المشهودُ عليه. واسْتَبْعدَه أبو الخَطَّابِ، وقال: هذا سَهْوٌ من النَّاقلِ؛ لأنَّه يخالِفُ الأُصولَ والإِجْماعَ، والحدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فكيف يجبُ بها! وقال النَّخَعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ، والشَّافعىُّ فى قَولٍ: لا حَدَّ على الشُّهودِ؛ لأنَّهم كَمَلُوا أربعةً، ولاعلى المشْهودِ عليه؛ لأنَّهم لم يَشْهَدوا بزنًى واحدٍ يَجبُ الحدُّ به. ولَنا، أنَّهم لم يَشْهَدوا بزنًى واحدٍ، فلَزِمَهُمُ الحدُّ، كما لو شهِدَ اثنان أنَّه زنَى بامْرأةٍ، واثنانِ أنَّه زنَى بغَيْرِها، ولأنَّه لا يَخْلُو مِن أن تكونَ شَهادتُهم بزنًى واحدٍ أو باثْنَينِ، فإن كانَتْ بفِعلٍ واحدٍ، مثل أن يُعَيِّنَ الجميعُ وقتًا واحدًا، لا يُمْكِنُ زِنَاهُ فيه فى المَوْضِعيْنِ، فاثنانِ منهم كاذِبان يَقينًا، واثنان منهم لو خلَوا عن المُعارَضةِ لِشَهادتِهما (١)، لَكانا قَذَفَةً، فمع التَّعارُض أوْلَى. وإن كانتْ شهادتُهم بفِعْلَيْنِ، كانوا قَذَفَةً، كما لو عَيَّنُوا فى شهادَتِهم أنَّه


(١) فى أ، ب، م: "لشهادتهم".

<<  <  ج: ص:  >  >>