للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أبو ثَوْرٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِر: السَّلَبُ لكلِّ قاتلٍ؛ لعُمومِ الخَبَرِ، واحْتِجاجًا بحديثِ سَلَمَةَ هذا. ولَنا، أنَّ ابنَ مسعودٍ ذَفَّفَ على أبى جَهْلٍ، فلم يُعْطِه النَّبِىُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَلَبهُ، وأمَرَ بقَتْلِ عُقْبَةَ بن أبى (٣١) مُعَيْط والنَّضْرِ بن الحارِث صَبْرًا، ولم يُعْطِ سَلَبَهما مَن قَتَلَهُما، وقتل بنى قُرَيْظَةَ صَبْرًا (٣٢)، فلم يُعْطِ مَن قتلَهُم أسْلابَهُم، وإنَّما أعْطَى السَّلَبَ مَنْ قتلَ مُبارِزًا، أو كفَى المسلمينَ شرَّه، وغرَّر فى قَتْلِه، والمُنْهَزِمُ بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ، قد كفَى المسلمين شَرَّ نَفْسِه، ولم يُغَرِّرْ قاتلُه بنَفْسِه فى قَتْلِه، فلم يسْتَحِقَّ سَلَبَهُ كالأسيرِ. وأما الذى قَتَلَه سَلَمَةُ، فكان مُتحيِّزًا إلى فِئَةٍ. وكذلك مَنْ قُتِلَ حالَ قيامِ الحَرْبِ، فإنَّه وإنْ (٣٣) كان مُنْهَزِمًا فهو مُتَحَيِّزٌ إلى فِئَةٍ، وراجعٌ إلى القتالِ، فأشْبَهَ الكارَّ، فإنَّ القتالَ فرٌّ وكَرٌّ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ فى اسْتِحْقاقِ السَّلَبِ أنْ تكونَ المُبارَزَةُ بإذْنِ الأميرِ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ قُضِىَ له بالسَّلَبِ فى عصرِ النَّبِىِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ليس فيهم مَنْ نُقِلَ إلينا أنَّه أُذِنَ له فى المُبارَزَةِ، مع أنَّ عُمومَ الخبرِ يقْتَضِى اسْتِحْقاقَ السَّلَبِ لكلِّ قاتلٍ، إلَّا مَنْ خَصَّه الدَّليلُ.

الفصل الخامس: أنَّ السَّلَبَ لا يُخَمَّسُ. رُوِىَ ذلك عن سَعْدٍ بن أبى وَقَّاص. وبه قال الشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وابنُ جرير. وقال ابنُ عباس: يُخَمَّسُ (٣٤). وبه قال الأوْزَاعِىُّ، ومَكْحولٌ؛ لعمومِ قولِه تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} (٣٥). وقال إسحاقُ: إن اسْتَكْثَرَ الإمامُ السَّلَبَ خمَّسَهُ، وذلك إليه؛ لما رَوَى ابنُ سِيرينَ، أنَّ الْبَراءَ بنَ مالِك بارَزَ مَرْزُبانَ الزَّأْرة بالبَحْرَيْن، فَطَعَنَه فَدقَّ صُلْبَه، وأخَذَ سِوَارَيْهِ وسَلَبَه، فلمَّا صلّى عمرُ الظُّهْرَ، أتَى أبا طَلْحَةَ فى دارِه، فقال: إنَّا كُنَّا لا


(٣١) سقط من: الأصل، م.
(٣٢) انظر ما تقدم فى صفحة ٤٦.
(٣٣). فى م: "إن".
(٣٤) أخرجه البيهقى، فى: باب ما جاء فى تخميس السلب، من كتاب قسم الفىء والغنيمة. السنن الكبرى ٦/ ٣١٢. وابن أبى شيبة، فى: باب من جعل السلب للقاتل، من كتاب الجهاد. المصنف ١٢/ ٣٧٤. وأبو عبيد، فى: الأموال ٣٠٤.
(٣٥) سورة الأنفال ٤١.

<<  <  ج: ص:  >  >>