للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

غيرُ. ولو صامَ شهرًا مِن أوَّلِ الهلالِ، فمَرِضَ فيه أيَّامًا معْلومةً، أو حاضتِ المرأةُ فيه ثم طَهُرَتْ قبل خُروجِه، قَضَى ما أفْطرَ منه بعِدَّتِه إِنْ كان الشهرُ تامًّا، وإِنْ كان ناقصًا، فهل يَلْزَمُه الإتْيانُ بيَومٍ آخَرَ؟ على وَجْهَيْنِ؛ بِناءً على ما ذكرْنا فى فِطر العِيد وأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

فصل: ومَن نَذَرَ صيامَ شهرٍ، فهو مُخيَّرٌ بينَ أَنْ يصومَ شهرًا بالهلالِ، وهو أن يبْتَدِئَه من أوَّلِه، فيُجْزِئَه، وبينَ أَنْ يصُومَه بالعددِ ثلاثينَ يومًا. وهل يَلْزَمُه التَّتابُعُ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَلْزَمُه. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ إطْلاقَ الشَّهرِ يقْتَضِى التَّتابُعَ. والثانى، لا يَلْزَمُه التَّتابُعُ. وهو قولُ الشافعىِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ؛ لأنَّ الشهرَ يقعُ على ما بينَ الهلاليْنِ، وعلى ثلاثِينَ يومًا، ولا خلافَ أنَّه يُجْزِئُه ثلاثونَ يومًا، فلم يَلزَمْه التَّتابُعُ، كما لو نَذَرَ ثلاثينَ يومًا. فأمَّا إِنْ نذَرَ صيامَ ثلاثين يومًا، لم يَلْزَمْه التَّتابُعُ فيها. نصَّ عليه أحمدُ. وقد رُوى عن أحمدَ، فى مَن قال: للَّهِ علىَّ صيامُ عشرةِ أيامٍ: يصومُها مُتتابِعةً. وهذا يدُلُّ على وُجوبِ (٦) التَّتابُعِ فى الأيَّامِ المنْذورَةِ. وحَمَلَ بعضُ أصْحابِنا كلامَ أحمدَ على مَن شَرَطَ التَّتابُعَ أو نَواه؛ لأنَّ لَفْظَ العشرَةِ لا يقْتَضِى تَتابُعًا، والنذْرُ لا يقْتَضِيه، ما لم يكُنْ فى لَفْظِه أو نِيَّتهِ. وقال بعضُهم: كلامُ أحمدَ على ظاهرِه، ويَلْزَمُه التَّتابُعُ فى نَذْرِ العشرةِ، دونَ الثلاثينَ؛ لأنَّ الثلاثينَ شهرٌ، ولو (٧) أرادَ التَّتابُعَ لقَال: شهرًا. فعُدولُه إلى العددِ دليلٌ على إرادةِ التَّفْريقِ، بخلافِ العشرةِ. والصَّحِيحُ أنَّه يَلْزَمُه التَّتابُعُ، فإِنَّ عدَمَ ما يدُل على التَّفْريقِ ليس بدليل على إرادَةِ التَّتابُعِ، فإِنَّ اللَّه تعالى قال فى قضاءِ رمضانَ: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (٨)، ولم يذْكُرْ تفْرِيقَها ولا تَتابُعَها، ولم يجِبِ التَّتابُعُ منها بالاتفاقِ. وقال بعضُ أصْحابِنا: إِنْ نَذَرَ اعْتكافَ أيَّامٍ، لَزِمَه التَّتابُعُ، ولا يلْزَمُه مثلُ ذلك فى الصيامِ؛ لأنَّ الاعْتِكافَ يتَّصِلُ بعضُه ببعضٍ من غيرِ فَصْلٍ، والصومُ يتخَلَّلُه الليلُ، فيَفْصِلُ بعضَه من بعضٍ، ولذلك لو نَذَرَ اعْتكافَ يوميْنِ مُتتابِعيْنِ، لَدخلَ فيه اللَّيْلُ. والصَّحِيحُ التَّسْويَةُ؛ لأنَّ الواجبَ ما اقْتضاه لفظُه، ولفظُه لا يقْتضِى التَّتابُعَ، بدليلِ نَذْرِ الصومِ، وما ذكَرُوه من العُرْفِ لا أثَرَ له. ومَن قال: يَلْزَمُه


(٦) سقط من: ب.
(٧) فى م: "فلو".
(٨) سورة البقرة ١٨٤، ١٨٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>