للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لم يكُنْ لِلطَّرِيقِ عُرْفٌ، وأطْلَقَا العَقْدَ، فقال القاضي: لا يَصِحُّ، كما لو أطْلَقَا الثَّمَنَ في بَلَدٍ لا عُرْفَ فيه. والأَوْلَى أنَّ هذا ليس بِشَرْطٍ؛ لأنَّه لو كان شَرْطًا لَما صَحَّ العَقْدُ بدُونِه في الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ، ولأنَّه لم تَجْرِ العادَةُ بِتَقْدِيرِ السَّيْرِ في طَرِيقٍ، ومتى اخْتَلَفَا، رُجِعَ إلى العُرْفِ في غيرِ تلك الطَّرِيقِ.

فصل: وإن اشْتَرَطَ حَمْلَ زادٍ مُقَدَّرٍ، كمائة رِطْلٍ، نَظَرْنا؛ فإن شَرَطَ أنَّه يُبْدِلُ منهما ما نَقَصَ بالأَكْلِ أو غيرِه، فله ذلك، وإن شَرَطَ أنَّ ما نَقَصَ بالأَكْلِ لا يُبْدِلُه، لم يكُنْ له إبْدَالُه فإن ذَهَبَ بغيرِ الأَكْلِ، كسَرِقَةٍ أو سُقُوطٍ، فله إبْدالُه؛ لأنَّ ذلك لم يَدْخُلْ في شَرْطِه. وإن أطْلَقَ العَقْدَ، فله إبْدالُ ما ذَهَبَ بِسَرِقَةٍ أو سُقُوطٍ أو أكْلٍ غيرِ مُعْتَادٍ، بغير خِلَافٍ. وإن نَقَصَ بالأَكْلِ المُعْتادِ، فله إبْدالُه أيضًا؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ حَمْلَ مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، فمَلَكَ إبْدالَ ما نَقَصَ منه، كما لو نَقَصَ بِسَرِقَةٍ. ويَحْتَملُ أنَّه لا يَمْلِكُ إبْدالَه؛ لأنَّ العُرْفَ جارٍ بأنَّ الزَّادَ يَنْقُصُ، فلا يُبْدَلُ، فحُمِلَ العَقْدُ عندَ الإِطْلاقِ على العُرْفِ، وصارَ كالمُصَرَّحِ به. وقال الشافِعِيُّ: القِيَاسُ أنَّ له إبْدَالَهُ. ولو قيل: ليس له إبْدالُه. كان مَذْهَبًا؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الزَّادَ لا يَبْقَى جَمِيعَ المَسَافةِ، ولذلك يَقِلُّ أجْرُه عن أجْرِ المَتَاعِ.

فصل: وإذا اكْتَرَى جَمَلًا لِيَحُجَّ عليه، فله الرُّكُوبُ عليه إلى مَكَّةَ، ومن مَكَّةَ إلى عَرَفَةَ، والخُروجُ عليه إلى مِنًى؛ لأنَّه مِن تَمامِ الحَجِّ. وقيل: ليس له الرُّكُوبُ إلى مِنًى؛ لأنَّه بعدَ التَّحَلُّلِ من الحَجِّ. والأَوْلَى أنَّ له ذلك؛ لأنَّه من تَمامِ الحَجِّ وتَوَابِعِه، ولذلك وَجَبَ على مَن وَجَبَ عليه دُونَ غيرِه، فدَخَلَ في قولِ اللَّه تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (١٢). ومن اكْتَرَى إلى مَكَّةَ فقط، فليس له الرُّكُوبُ إلى الحَجِّ؛ لأنَّها زِيَادَةٌ. ويَحْتَمِلُ أنَّ له ذلك؛ لأنَّ الكِرَاءَ إلى مَكَّةَ عِبَارَةٌ عن الكِرَاءِ لِلحَجِّ، لِكَوْنِها لا يُكْتَرَى إليها إلَّا لِلحَجِّ غالِبًا، فكان بمَنْزِلَةِ المُكْتَرَى لِلحَجِّ.


(١٢) سورة آل عمران ٩٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>