للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لأنَّه كلَّمَهم كُلَّهم، وإن قصدَ بالسَّلامِ مَنْ عَداه، لم يَحنَثْ؛ لأنَّه إنَّما كلَّمَ غيرَه وهو يَسْمَعُ، وإن لم يَعلمْ أنَّه فيهم، ففيه روايتانِ؛ إحْدَاهما: يَحْنَثُ؛ لأنَّه كلَّمَهم جميعَهم وهو فيهم. والثَّانيةُ، لا يَحنَثُ؛ لأنَّه لم يَقْصِدْه. ويُمْكِنُ حَمْلُ قولِه فى الحِنْثِ على اليَمينِ بالطَّلاقِ والعَتَاقِ؛ لأنَّه لا يُعذَرُ فيهما (٥٢) بالنِّسيَانِ والجهلِ، فى الصَّحيحِ مِن المذهبِ، وعَدَمِ الحِنثِ على الْيَمينِ المُكَفَّرَةِ. فإن كان الحالِفُ إمامًا، والمحْلوفُ عليه مأمومًا، لم يَحْنَثْ بتسْليمِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه للخُروجِ منها، إلَّا أن يَنْوِىَ بتسْليمِه المَأْمُومينَ يخَكون حُكمُه حُكْمَ ما لو سَلَّمَ عليهم فى غيرِ الصَّلاةِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ بحالٍ؛ لأنَّ هذا لا يُعَدُّ تكليمًا، ولا يُريدُه الحالِفُ. وإن حَلَفَ لا يُكلِّمُ فلانًا، فكلَّمَ إنسانًا، وفلانًا يَسمَعُ، يَقْصِدُ بذلك إسْماعَه، كما قال:

* إِيَّاكِ أعْنِى واسْمَعِى يا جارَه (٥٣) *

حَنِثَ. نَصَّ عليه أحمدُ، قال: إذا حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فلانًا، فكلَّمَ إنسانًا، وفلانٌ يَسْمَعُ، يُريدُ بكلامِه إيَّاه المحْلوفَ عليه، حَنِثَ؛ لأنَّه قد أرادَ تكليمَه. ورُوِىَ عن أبى بَكْرةَ ما يَدلُّ على أنَّه لا يَحْنَثُ، فإنَّه كان حَلَفَ أن لا يُكلِّمَ أخاه زيادًا، فعزمَ زيادٌ على الحَجِّ، فجاء أبو بَكْرةَ فدخلَ قصرَه، وأخذ ابنَه فى حِجْرِه، فقال: إنّ أباكَ يُريدُ الحَجَّ والدُّخولَ على زَوْجِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بهذا السَّبَبِ، وقد علمَ أنَّه غيرُ صحيحٍ. ثم خرجَ، ولم يَرَ أنَّه كلَّمَه (٥٤). والأوَّلُ الصَّحيحُ؛ لأنَّه أسْمعَه كلامَه يُريدُه به، فأشْبَهَ ما لو خاطبَه به، ولأنَّ به مَقْصودَ تكْليمِه قد حَصَلَ بإسْماعِه كلامَه.

فصل: فإن كتبَ إليه، أو أرسلَ إليه رَسولًا، حَنِثَ، إلَّا أن يكونَ قَصَدَ أَنْ لا يُشافِهَه. نَصَّ عليه أحمدُ، وذكرَه الخِرَقِىُّ [فى] (٥٥) مَوْضِعٍ آخرَ، وذلك لقولِ اللَّهِ


(٥٢) فى الأصل، ب، م: "فيها".
(٥٣) انظر: مجمع الأمثال ١/ ٨٠، ونسبه الميدانى لسهل بن مالك الفزارى. وهو فى اللسان والتاج (ع ط ر) بغير نسبة.
(٥٤) انظر: الاستيعاب ٢/ ٥٢٣ - ٥٣٠.
(٥٥) تكملة يصح بها السياق.

<<  <  ج: ص:  >  >>