للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لا حاجةَ إليها فى الشَّهادةِ فى الأغْلَبِ. فأمَّا ما يقَعُ بالرُّؤْيةِ، فالأفعالُ؛ كالغَصْبِ، والإِتْلافِ، والزِّنَى، وشُرْبِ الخمرِ، وسائرِ الأفعالِ، وكذلك الصِّفاتُ المرْئيَّةُ؛ كالعُيوبِ فى المَبيعِ، ونحوِها (٦)، فهذا لا تُتَحَمَّلُ (٧) الشهادةُ فيه إلَّا بالرُّؤْيةِ؛ لأنَّه يمكنُ الشَّهادةُ عليه قطعًا، فلا يُرْجَعُ إلى غير ذلك. وأمَّا السَّماعُ فنَوْعان؛ أحدُهما، مِن المشهْودِ عليه، مثل العُقودِ؛ كالبيعِ، والإِجارةِ، وغيرِهما مِن الأقْوالِ، فيَحْتاجُ إلى أنْ يَسْمعَ كلامَ المُتعاقِدَيْنِ يَقِينًا (٨)، ولا تُعْتبَرُ رُؤْيةُ المُتعاقِدَيْنِ، إذا عرفَهما، وتَيَقَّنَ أنَّه كلامُهما. وبهذا قال ابنُ عباسٍ، والزُّهْرِىُّ، ورَبيعةُ، واللَّيْثُ، وشُرَيْحٌ، وعَطاءٌ، وابنُ أبى ليلَى، ومالكٌ. وذهبَ أبو حنيفةَ، والشَّافعىُّ، إلى أنَّ الشَّهادةَ لا تَجوزُ حتى يُشاهِدَ القائلُ المشهودَ عليه؛ لأنَّ الأصْواتَ تَشْتَبِهُ، فلا يَجوزُ أنْ يَشهدَ عليها مِن غيرِ رُؤْيَةٍ، كالخَطِّ. ولَنا، أنَّه عَرَفَ المَشْهودَ عليه يَقينًا، فجازَتْ شَهادتُه عليه، كما لو رآه. وجوازُ اشْتِباه الأصْواتِ كجَوازِ اشْتباهِ الصُّوَرِ، وإنَّما تجُوزُ الشَّهادةُ لمَن (٩) عرَفَ المشهودَ عليه يَقينًا، وقد يحْصُلُ العلمُ بالسَّماعِ يَقينًا، وقد اعْتبرَه الشَّرْعُ بتَجْوِيزِه الرِّوايةَ مِن غيرِ رُؤْيَةٍ، ولهذا قُبِلَتْ رِوايةُ الأعْمَى، وروايةُ مَن رَوَى عن أزْواجِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن غيرِ مَحارِمِهنَّ. وأمَّا النوعُ الثانى، فسَنذْكرُه إن شاءَ اللهُ تعالى فى المسألةِ التى تَلِى هذا.

فصل: إذا عرَفَ المشْهودَ عليه باسْمِه وعَيْنِه ونَسَبِه، جازَ أن يَشْهدَ عليه، حاضرًا كان أو غائبًا، وإن لم يَعرِفْ ذلك، لم يَجُزْ أن يَشْهدَ عليه مع غَيْبَتِه، وجازَ أن يَشْهدَ عليه حاضرًا بمَعْرفةِ عَيْنِه. نصَّ عليه أحمدُ. قال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عن رجلٍ شهِدَ لرجلٍ بحقٍّ له على رجلٍ، وهو لا يَعرفُ اسمَ هذا، ولا اسمَ هذا، إلَّا أنَّه يَشْهدُ له، فقال: إذا قال: أشهدُ أنَّ لهذا على هذا. وهما شاهِدانِ جميعًا، فلا بأسَ، وإن كان غائبًا، فلا يَشْهدُ حتَّى يَعرِفَ اسمَه.

فصل: والمرأةُ كالرَّجلِ، فى أنَّه إذا عرَفَها وعرَفَ اسمَها ونَسَبَها، جازَ أن يَشْهدَ عليها


(٦) فى الأصل: "ونحو هذا".
(٧) فى الأصل: "يتحمل".
(٨) سقط من: ب، م.
(٩) فى الأصل: "بمن".

<<  <  ج: ص:  >  >>