للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جُزْءًا من الرِّبْحِ لا مُقَابِلَ له، فلم (٦٦) يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ رِبْحَ مالِ العامِلِ المُنْفَرِدِ، وفَارَقَ شَرِكَةَ العِنَان؛ لأنَّ فيها عَمَلًا منهما، فجازَ أن يَتَفَاضَلَا في الرِّبْحِ لِتَفَاضُلِهِما في العَمَلِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وإن جَعَلَا الرِّبْحَ بينهما نِصْفَيْنِ، ولم يَقُولَا مُضَارَبةً، جَازَ، وكان إِبْضاعًا كما تَقدَّمَ. وإن قالا: مُضَارَبَةً. فَسَدَ العَقْدُ؛ لما سَنَذكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى.

فصل: القِسْمُ الخامسُ، أن يَشْتَرِكَ بَدَنَانِ بمالِ أحَدِهِما. وهو أن يكونَ المالُ من أحَدِهما والعَمَلُ منهما، مثل أن يُخْرِجَ أحَدُهما ألْفًا، ويَعْمَلانِ فيه مَعًا، والرِّبْحُ بينهما. فهذا جائِزٌ. ونَصَّ عليه أحْمَدُ، في رِوَايةِ أبى الحارِثِ. وتكونُ مُضَارَبةً؛ لأنَّ غيرَ صاحِبِ المالِ يَسْتَحِقُّ المَشْرُوطَ له من الرِّبْحِ بعَمَلِه في مالِ غيرِه، وهذا هو حَقِيقَةُ المُضَارَبةِ. وقال أبو عبدِ اللَّه ابن حامِدٍ، والقاضِى، وأبو الخَطَّابِ: إذا (٦٧) شَرَطَ أن يَعْمَلَ معه رَبُّ المالِ، لم يَصِحَّ. وهذا مذهبُ مالِكٍ، والأَوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. قال: ولا تَصِحُّ المُضَارَبةُ حتى يُسَلِّمَ المالَ إلى العامِلِ، ويُخَلِّىَ بَيْنَه وبَيْنَه؛ لأنَّ المُضَارَبةَ تَقْتَضِى تَسْلِيمَ المالِ إلى المُضَارِبِ، فإذا شَرَطَ عليه العَمَلَ فلم يُسَلِّمْه لأنَّ يَدَهُ عليه، فيُخالِفُ مَوضُوعَها. وتَأَوَّلَ القاضِى كَلَامَ أحمدَ والخِرَقِىِّ، على أنَّ رَبَّ المالِ عَمِلَ من غير اشْتِرَاطٍ. ولَنا، أنَّ العَمَلَ أحَدُ رُكْنَىِ المُضَارَبةِ، فجازَ أن يَنْفَرِدَ به أحَدُهما مع وُجُودِ الأَمْرَيْنِ من الآخَرِ، كالمالِ. وقولُهم: إنَّ المُضَارَبةَ تَقْتَضِى تَسْلِيمَ المالِ إلى العامِلِ (٦٨). مَمْنُوعٌ، إنما تَقْتَضِى إطْلَاقَ التَّصَرُّفِ في مالِ غيرِه بجُزْءٍ مُشَاعٍ من رِبْحِه، وهذا حاصِلٌ مع اشْتِرَاكِهِما في العَمَلِ، ولهذا لو دَفَعَ مالَه إلى اثْنَيْنِ مُضَارَبةً صَحَّ، ولم يَحْصُلْ تَسْلِيمُ المالِ إلى أحَدِهما.

فصل: وإن شَرَطَ أن يَعْمَلَ معه غُلَامُ رَبِّ المالِ، صَحَّ. وهذا ظَاهِرُ كَلَامِ


(٦٦) في م: "فلا".
(٦٧) في ب زيادة: "كان".
(٦٨) في ب: "المضارب".

<<  <  ج: ص:  >  >>