للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإن حَضَرَ أحدُهما، فطالَبَ، ولم يحضُرِ الآخَرُ، لم يُقْطَعْ؛ لأنَّ ما حَصَلَتْ المُطالبَةُ به لا يُوجِبُ القَطْعَ بمُفْردِه. وإن أقرَّ أنَّه سَرَقَ من رجلٍ شيئًا، فقال الرجلُ: قد فَقَدْتُه من مالِى. فَيَنْبَغِى أن يُقْطَعَ؛ لِمَا رُوِى عن عبدِ الرَّحمنِ بن ثَعْلَبَةَ الأنْصارِىِّ، عن أبيه، أن عمرَو بنَ سَمُرَةَ بنِ حَبِيبٍ بنِ عَبْدِ شمسٍ، جاءَ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي سَرَقْتُ جملًا لِبَنِى فُلانٍ، فَطَهِّرْنِى. فأرسلَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إليهم، فقالوا: إنَّا افْتَقَدْنا جَملًا لنا. فأمرَ به النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقُطِعَتْ يدُه. قال ثَعْلَبَةُ: أنا أنظُرُ إليه حينَ وقَعَتْ يدُه، وهو يقول: الحمدُ للهِ الذي طَهَّرَنِى منكِ، أردتِ أن تُدْخِلِى جَسَدِىَ النَّارَ. أخْرجه ابنُ ماجَه (٤).

فصل: ومن ثَبَتَتْ سرقتُه بِبَيِّنَةٍ عادلَةٍ، فأنْكَرَ، لم يُلْتَفَتْ إلى إنْكارِه. وإن قال: أحْلِفُوه لي أنِّى سَرَقْتُ منه. لم يُحْلَفْ؛ لأنَّ السَّرِقَةَ قد ثَبَتَتْ بالبَيِّنَةِ، وفى إحْلافِه عليها قَدْحٌ في الشَّهَادَةِ. وإن قال: الذي أخَذْتُه مِلْكٌ لِى، كان لي عندَه وَدِيعَةً، أو رَهْنًا، أو ابْتَعْتُه منه، أو وَهَبَهُ لي، أو أَذِنَ لي في أخْذِه، أو غَصَبَه مِنِّى، أو مِن أبى، أو بَعْضُه لي. فالقولُ قولُ المسْروقِ منه مع يَمِينِه؛ لأنَّ اليدَ ثَبَتَتْ له، فإن حَلَفَ سَقطَتْ دَعْوَى السَّارِقِ، ولا قَطْعَ عليه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما قال، ولهذا أحْلَفْنا المسْروقَ منه، وإن نَكَلَ، قضَيْنا عليه بنُكُولِه. وهذه إحْدى الرِّواياتِ (٥)، وهو مَنْصوصُ الشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخرَى، أنَّه يُقْطَعُ؛ لأنَّ سُقُوطَ القَطْعِ بدَعْواه يُؤَدِّى إلى أن لا يجبَ قَطْعُ سَارِقٍ، فتَفُوتَ مَصْلحَةُ الزَّجْرِ. وعنه رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أنَّه إن كان معروفًا بالسَّرِقَةِ قُطِعَ؛ لأنَّه يُعْلَمُ كَذِبُه، وإلَّا سَقَطَ عنه القَطْعُ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الحدودَ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، وإفْضاؤُه إلى سُقوطِ القَطْعِ لا يمْتَنِعُ اعْتِبارُه، كما أنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ في شهادةِ الزِّنَى شُروطًا لا يَقعُ معها إقامَةُ حَدٍّ بِبَيِّنَةٍ أبدًا، على أنَّه لا يُفْضِى إليه لازمًا، فإنَّ الغالِبَ من السُّرَّاقِ أنَّهم لا يعلمون هذا، ولا يَهْتَدُون إليه، وإنَّما يخْتَصُّ بعِلْمِ هذا الفقهاءُ الذين لا يَسْرِقُون غالبًا. وإن لم يحْلفِ المَسْرُوقُ منه، قُضِىَ عليه، وسَقَطَ الحَدُّ، وَجْهًا واحدًا.


(٤) في: باب السارق يعترف، من كتاب الحدود. سنن ابن ماجه ٢/ ٨٦٣.
(٥) في م: "الروايتين".

<<  <  ج: ص:  >  >>