للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عند انْقِضَائِها. فإن قيل: فلو اسْتَأْجَرَها لِلْغِرَاسِ والبِنَاءِ صَحَّ مع تَقْدِيرِ المُدَّةِ. قُلْنا: التَّصْرِيحُ بالبِنَاءِ والغِرَاسِ صَرَفَ التَّقْدِيرَ عن مُقْتَضَاه، بظَاهِرِه في التَّفْرِيغِ عندَ انْقِضَاءِ المُدّةِ، إلَّا أن يَشْتَرِطَ قَلْعَ ذلك عندَ انْقِضَاءِ المُدّةِ، فيُصْرَفُ الغِرَاسُ والبِنَاءُ عمَّا يُرادُ له بِظَاهِرِه، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وإن أطْلَقَ إجارَةَ هذه الأرْضِ، مع العِلْمِ بحَالِها، وعَدَمِ مائِها، صَحَّ؛ لأنَّهما دَخَلَا في العَقْدِ على أنَّها لا ماءَ لها، فأشْبَه ما لو شَرَطَاه. وإن لم يَعْلَمْ عَدَمَ مائِها (٤٠)، أو ظَنَّ المُكتَرِى أنَّه يُمْكِنُ تَحْصِيلُ ماءٍ لها بوَجْهٍ من الوُجُوهِ، لم يَصِحَّ العَقْدُ، ولأنَّه ربما دَخَلَ في العَقْدِ بِنَاءً على أنَّ المالِكَ لها (٤١) يُحَصِّلُ لها ماءً، وأنَّه يَكْتَرِيها للزِّرَاعةِ مع تَعَذُّرِها. وقيل: لا يَصِحُّ العَقْدُ مع الإِطْلَاقِ وإن عَلِمَ حالَها (٤٢)؛ لأنَّ إطلاقَ كِرَاءِ الأرْضِ يَقْتَضِي الزِّرَاعةَ. والأَوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّ العِلْمَ بالحالِ يَقُومُ مَقَامَ الاشْتِراطِ، كالعِلْمِ بالعَيْبِ يَقُومُ مَقامَ شَرْطِه، ومتى كان لها ماءٌ غيرَ دائِمٍ، أو الظَّاهِرُ انْقِطاعُه قبلَ الزَّرْعِ، أو لا يَكْفِى الزَّرْعَ، فهى كالتى لا ماءَ لها. ومذهبُ الشافِعِيِّ في هذا كلِّه كما ذَكَرْنا.

فصل: وإن اكْتَرَى أرْضًا غارِقةً بالماءِ، لا يُمْكِنُ زَرْعُها قبلَ انْحِسَارِه عنها، وقد يَنْحَسِرُ ولا يَنْحَسِرُ، فالعَقْدُ باطِلٌ؛ لأنَّ الانْتِفاعَ بها في الحالِ غيرُ مُمْكِنٍ، ولا يَزُولُ المانِعُ غالِبًا. وإن كان يَنْحَسِرُ عنها وقتَ الحاجَةِ إلى الزِّرَاعةِ، كأرْضِ مِصْرَ في وقتِ مَدِّ النِّيلِ، صَحَّ العَقْدُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ مُتَحَقِّقٌ بحُكْمِ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ. وإن كانت الزِّرَاعةُ فيها مُمْكِنَةً، ويُخَافُ غَرَقُها، والعادَةُ غَرَقُها، لم يَجُزْ إجَارَتُها؛ لأنَّها في حُكْمِ الغارِقَةِ بحُكْمِ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ.

فصل: ومتى غَرِقَ الزَّرْعُ أو هَلَكَ، بِحَرِيقٍ أو جَرَادٍ أو بَرْدٍ، أو غيرِه، فلا ضَمَانَ


(٤٠) في م: "نمائها".
(٤١) سقط من: الأصل.
(٤٢) في ب: "حالتها". وفي م: "بحالها".

<<  <  ج: ص:  >  >>