للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مُقابَلَتِه. ولَنا، أنَّ عمرَ، وعَلِيًّا، رَضِىَ اللهُ عنهما، قالا (٢٤): مَنْ مات مِن حَدٍّ أو قِصاصٍ لا دِيَةَ له، الحَقُّ قتلَه. روَاه سعيدٌ بمعناه (٢٥). ولأنَّه قَطْعٌ مُسْتَحَقٌ مُقَدّرٌ، فلا تُضْمَنُ سِرَايَتُه، كقَطْعِ السارقِ. وفارَقَ ما قاسُوا عليه، فإنَّه ليس ما فَعَلَه مُسْتَحَقًّا. إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بين سِرايَتِهِ إلى النَّفْسِ، بأن يَمُوتَ منها، أو إلى ما دُونَها، مثل أن يَقْطَعَ إصْبَعًا فتَسْرِىَ إلى كَفِّه.

فصل: وسِرَايةُ الجِنايةِ مَضْمونةٌ بلا خلافٍ؛ لأنَّها أثَرُ الجِنايةِ، والجِنايةُ مَضْمونةٌ، فكذلك أثَرُها. ثم إن سَرَتْ إلى النَّفْسِ، وما لا يُمْكِنُ مُباشَرَتُه بالإِتْلافِ، مثل أن يَهْشِمَه في رَأْسِه فيَذْهَبَ ضَوْءُ عَيْنَيْه، وَجَبَ القِصاصُ فيه، ولا خِلافَ في ذلك في النَّفْسِ، وفى ضَوْءِ العينِ خِلافٌ قد ذكَرْناه فيما تقَدَّمَ. وإن سَرَتْ إلى ما يُمْكِنُ مُباشرَتُه بالإِتْلافِ، مثل إن قَطَعَ إصْبَعًا، فتآكَلَتْ أُخْرَى وسَقَطَتْ من مَفْصِلٍ، ففيه القِصاصُ أيضًا، في قولِ إمامِنا، وأبى حنيفةَ، ومحمدِ بن الحسنِ. وقال أكثرُ الفقهاءِ: لا قِصاصَ في الثانية، وتجِبُ دِيَتُها؛ لأنَّ ما أمْكَنَ مُباشَرَتُه بالجِنايةِ لا يَجِبُ القَوَدُ فيه بالسِّرَايةِ، كما لو رَمَى سَهْمًا فمَرَقَ منه إلى آخَرَ. ولَنا، أنَّ ما وَجَبَ فيه القَوَدُ بالجِنايةِ، وَجَبَ بالسِّرَايةِ، كالنَّفْسِ وضَوْءِ العَيْنِ، ولأنَّه أحدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فأشْبَهَ ما ذكَرْنا (٢٦). وفارَقَ ما ذكَرُوه؛ فإنَّ ذلك فِعْلٌ وليس بسِرَايةٍ، ولأنَّه لو قَصَدَ ضَرْبَ رَجُلٍ فأصابَ آخَرَ، لم يَجِب القِصاصُ، ولو قَصَدَ قَطْعَ إبْهامِه فقَطَعَ سَبَّابَتَه، وجَبَ القِصاصُ، ولو ضَرَبَ إبْهامَه فمَرَقَ إلى سَبَّابَتِه، وجَبَ القِصاصُ فيهما، فافْتَرقَا. ولأنَّ الثانيةَ تَلِفَتْ بفِعْلٍ أوْجَبَ القِصاصَ، فوَجَبَ القِصاصُ فيها، كما لو رَمَى إحْداهما فمَرَقَ إلى الأُخْرَى. فأمَّا إن قَطَعَ إصْبَعًا، فشَلَّتْ إلى جانِبِها أُخْرَى، وَجَبَ


(٢٤) في م: "قال".
(٢٥) وأخرجه البيهقي، في: باب الرجل يموت في قصاص الجرح، من كتاب الديات. السنن الكبرى ٨/ ٦٨. وعبد الرزاق، في: باب الانتظار بالقود أن يبرأ، من كتاب العقول. المصنف ٩/ ٤٥٧، ٤٥٨. وابن أبي شيبة، في: باب من قال ليس عليه دية إذا مات في قصاص، من كتاب الديات. المصنف ٩/ ٣٤١، ٣٤٣.
(٢٦) في ب: "ذكرناه".

<<  <  ج: ص:  >  >>