للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بعدَ الحُكمِ بها. ووَجْهُ ذلك من طريقَيْنِ، أحدُهما، أَنَّ عدالةَ الشَّاهِد شَرْطٌ للحُكْمِ فيُعْتبَرُ دَوامُها إلى حينِ الحُكْمِ؛ لأنَّ الشُّرُوطَ لابُدَّ من وُجودِها فى المَشْروطِ، وإذا فَسَقَ انْتفَى الشَّرْطُ، فلم يَجُزِ الحُكْمُ. والثانى، أَنَّ ظُهورَ فِسْقِه وكفْرِه، يَدُلُّ على تَقدُّمِه؛ لأنَّ العادةَ أَنَّ الإِنْسانَ يُسِرُّ الفِسْقَ، ويُظْهرُ العَدالةَ، والزِّنْديقُ يُسِرُّ كُفْرَه، ويُظْهِرُ إسْلامَه، فلا نأْمَنُ كَونه كافرًا أو فاسقًا حين أداءِ الشَّهادةِ، فلم يَجُزِ الحُكْمُ بها مع الشَّكِّ فيها، فأمَّا إن حدَثَ هذا منه بعدَ الحُكْمِ بشهَادتِهِ (٢)، لم يُنْقَضْ؛ لأنَّ الحُكْمَ وقعَ صَحِيحًا، لاسْتِمْرارِ شرطِه إلى انْتَهائِه؛ ولأنَّه قد وُجِدَ مَقْرونًا بشَرْطِه ظاهرًا، فلا يُنْقَضُ بالشَّكِّ، كما لو رجَعَ عن الشَّهادةِ، وكما لو صلَّى بالتَّيَمُّمِ، ثم وجدَ الماءَ، لكن إن كان ذلك قَبلَ الاستيفاءِ، وكان حَدًّا للَّهِ تعالى، لم يَجُزِ اسْتِيفاؤُه؛ [لأَنَّه يُدْرَأ بالشُّبهاتِ] (٣)، وهذا شُبْهَةٌ فيه، فأشْبَهَ ما لو رَجَعَ عن الإِقْرارِ به قبلَ اسْتيفائِه. وإن كان مالًا اسْتُوفِىَ؛ لأنَّ الحُكْمَ قد تَمَّ، وثبَتَ الاسْتحقاقُ بأمرٍ ظاهرِ الصِّحَّةِ، فلا يَبْطُلُ بأمرٍ مُحْتَمِلٍ، ولذلك لم يَبطُلْ رُجوعُه عن إقْرارِه. وإن كان حدَّ قَذفٍ أو قِصاصًا، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، يُسْتَوْفَى. وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّه حقُّ آدَمِى مُطالَبٌ. به، أشْبَهَ المالَ. والثانى، لا يُسْتَوْفَى. وهو قولُ محمدٍ؛ لأَنَّه عُقوبةٌ على البَدَنِ (٤)، تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، أشْبَهَ الحَدَّ. وللشافعىِّ وَجْهان، كهذَيْن. فأمَّا ما حدَثَ بعدَ الاسْتِيفاءِ، فلا يُؤَثِّرُ فى حَدٍّ ولا حَقٍّ؛ لأنَّ الحقَّ اسْتُوفِىَ بما ظاهرُه الصِّحَّةُ، وسَوَّغَ الشَّرْعُ استيفاءَه، فلم يُؤَثِّرْ فيه ما طَرَأَ بعدَه (٥)، كما لو لم يَظْهَرْ شَىْءٌ.

فصل: فأمَّا إن أدَّيا الشَّهادةَ، وهما مِن أهْلِها، ثم ماتا قَبلَ الحُكْمِ بها، حَكَمَ الحاكمُ بشهادتِهما، سواءٌ ثَبتَتْ عَدالتُهما فى حياتِهما، أو بعدَ مَوْتِهما، وسواءٌ كان المَشْهودُ به حَدًّا أو غيرَه. وكذلك إن جُنُّوا، أو أُغْمِىَ عليهم. وبهذا قال الشَّافعىُّ؛ لأنَّ الموتَ لا يُؤَثِّرُ فى شهادتِه، ولا يَدُلُّ على الكذبِ فيها. ولا يَحْتَمِلُ أن يكونَ مَوْجودًا حالَ أداءِ الشَّهادةِ،


(٢) فى ب، م: "بشهادة".
(٣) فى م: "بالشبهات لأنه يدرأ".
(٤) فى أ: "القذف".
(٥) فى أ: "بعد".

<<  <  ج: ص:  >  >>