للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْعَقْلِ الدِّيَةُ" (٣). ولأنَّه أكبرُ المعانى قَدْرًا، وأعْظَمُ الحواسِّ نَفْعًا. فإنَّ به يتمَيَّزُ من البَهِيمةِ، ويَعرِفُ به حقائقَ المعلوماتِ، ويَهْتدِى إلى مَصالحِه، ويتَّقِى ما يضرُّه، ويدْخلُ به في التَّكْليفِ، وهو شَرْطٌ في ثُبوتِ الولاياتِ، وصحَّةِ التَّصَرُّفاتِ، وأداءِ العباداتِ، فكان بإيجابِ الدِّيَةِ أحَقَّ من بَقِيَّةِ الحَواسِ، فإنْ نقَصَ عَقلُه نقصًا معلومًا، مثل أنْ صارَ يُجَنُّ يومًا ويُفِيقُ يومًا، فعليه من الدِّيَةِ بِقَدْرِ ذلك؛ لأنَّ ما وجَبَتْ فيه الدِّيَةُ، وجَب بعضُها في بعضِه بقَدْرِه، كالأصابعِ، وإنْ لم يُعْلَمْ، مثل أنْ صارَ مَدْهوشًا، أو يَفْزَعُ ممَّا لا يُفْزَعُ منه، وَيَسْتَوحِشُ إذا خَلَا، فهذا لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه، فتجبُ فيه حُكومةٌ.

فصل: فإنْ أذْهبَ عقْلَه بجنايةٍ لا تُوجِبُ أرْشًا، كاللَّطْمةِ، والتَّخْويفِ، ونحو ذلك، ففيه الدِّيَةُ لا غيرُ. وإنْ أذهبَه بجنايةٍ تُوجِبُ أَرْشًا، كالجِراحِ، أو قَطْعِ عُضْوٍ، وجبَتِ الدِّيَةُ، وأَرْشُ الجُرْحِ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ في الجديدِ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في القديم: يدْخلُ الأقلُّ منهما في الأكْثرِ، فإن كانت الدِّيَةُ أكثرَ من (٤) أَرْشِ الجُرْحِ، وجَبَتْ وحدَها، وإن كان أرشُ الجُرْحِ أكثرَ، كأنْ قَطَعَ يدَيْه ورِجْليَه، فذهبَ عَقْلُه، وجبَتْ دِيَةُ الجُرْحِ، ودخلَتْ دِيَةُ العَقْلِ فيه؛ لأن ذَهابَ العقلِ تخْتَلُّ معه مَنافِعُ الأعضاءِ، فدخَلَ أرْشُها فيه، كالموتِ. ولَنا، أنَّ هذه جنايةٌ أذْهبَتْ مَنفعةً من غيرِ مَحَلِّها مع بَقاءِ النَّفْسِ، فلم يتَداخَلِ الأرْشان، كما لو أوْضَحَه فذهبَ بصرُه أو سَمْعُه، ولأنَّه لو جَنَى على أُذُنِه أو أنْفِه، فذهبَ سَمْعُه أو شَمُّه، لم يدْخُلْ أرْشُهما (٥) في دِيَةِ الأنْفِ والأُذُنِ، مع قُرْبِهما منهما، فههُنا أوْلَى. وما ذكَرُوه (٦) لا


(٣) ليس في كتاب عمرو بن حزم. وإنما أخرجه البيهقي، في: باب السمع، من كتاب الديات. السنن الكبرى ٨/ ٨٥، ٨٦، من حديث معاذ بن جبل. وانظر الإرواء ٧/ ٣٢٢.
(٤) في م زيادة: "كان" خطأ.
(٥) في ب: "أرشها".
(٦) في ب: "ذكره".

<<  <  ج: ص:  >  >>