للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المُكاتَبَ لا يَعْتِقُ حتَّى يُؤَدِّىَ جميعَ الكِتابةِ، بما ذكرْنا من الأخْبارِ، ولو وجَبَ إيتاوه الرُّبْعَ، لَوَجَبَ أن يَعْتِقَ إذا أدَّى ثلاثةَ أرْباعِ الكِتابةِ، ولا يَجِبُ عليه أداءُ مالٍ يجبُ رَدُّه إليه، ورُوِىَ فى ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ عبدًا له على خَمْسَةٍ وثلاثينَ ألْفًا، فأخَذَ منه ثلاثِينَ، وَتَرَكَ له خَمْسةً (١٢). ولَنا، ما رَوَى أبو بكرٍ، بإسْنادِه عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فى قولِه: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}. فقال: "رُبْعُ الكِتابةِ (١٣) " (١٤). ورُوِىَ مَوْقُوفًا على علىٍّ. ولأنَّه مالٌ يَجبُ إيتاؤُه مُواساةً بالشَّرْعِ، فكان مُقَدَّرًا، كالزَّكاةِ، ولأنَّ حِكْمةَ إيجابِه الرِّفْقُ بالمُكاتَبِ، وإعانَتُه على تحْصيلِ العِتْقِ، وهذا لا يَحْصُلُ باليَسِيرِ الذى هو أقَلُّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ، فلم يَجُزْ أن يكونَ هو الواجبَ، وقولُ اللَّه تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ}. وإن وَرَدَ غيرَ مُقَدَّرٍ، فإِنَّ السُّنَّةَ تُبَيِّنُه، وتُبيِّنُ قَدْرَه، كالزكاةِ.

الفصل الثالث: فى جِنْسِه، إن قَبَضَ مالَ الكِتابةِ، ثمَّ أعْطاهُ منه، جازَ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بالإِيتاءِ منه. وإن وَضَعَ عنه بما وَجَبَ عليه، جاز؛ لأنَّ الصَّحابةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فَسَّرُوا الإِيتاءَ بذلك، ولأنَّه أَبْلَغُ فى النَّفْعِ، وأعْوَنُ على حُصُولِ العِتْقِ، فيكونُ أفْضَلَ من الإِيتاءِ، وتَحْصُلُ دَلالةُ الآيةِ عليه من طَرِيقِ التَّنْبِيهِ. وإِنْ أعْطاهُ من جِنْسِ مالِ الكتابةِ من غيرِه، جازَ. ويَحْتَمِلُ أَنْ لا يَلْزَمَ المُكاتَبَ قَبُولُه. وهو ظاهرُ كلامِ الشافعىِّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بالإِيتاءِ منه. ولَنا، أنَّه لا فَرْقَ فى المعنى بين الإِيتاءِ منه، وبينَ الإِيتاءِ من غيرِه، إذا كان من جِنْسِه، فوَجَبَ أن يتَساوَيا فى الإِجْزاءِ، وغيرُ (١٥) المَنْصُوص إذا كان فى مَعْناهُ أُلْحِقُ به، وكذلك جاز الحَطُّ، وليس هو بإيتاءٍ، لمَّا كان فى مَعْناهُ. وإن آتَاه من غيرِ جِنْسِه، مثل أن يُكاتِبَه على دَرَاهِم، فيُعْطِيَهُ دَنانِيرَ أو عُرُوضًا (١٦)، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛


(١٢) أخرجه البيهقى، فى: باب تفسير قوله عزَّ وجلَّ: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ. . . .}، من كتاب المكاتب. السنن الكبرى ١٠/ ٣٣٠.
(١٣) فى الأصل: "المكاتبة".
(١٤) تقدم تخريجه، فى حاشية ٢، موقوفا، وهو فى المواضع نفسها مرفوعا.
(١٥) فى الأصل، أ: "أو غير".
(١٦) فى الأصل: "عرضا".

<<  <  ج: ص:  >  >>