للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

به إنَّما يُسْتَحَبُّ فيها. وعلى كلِّ حالٍ، فمَن أرَادَ الإِحْرامَ، اسْتُحِبَّ له أن يَغْتَسِلَ قبلَه، في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم طاوُسٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لما رَوَى خَارِجَةُ بن زيدِ بن ثابِتٍ، عن أبِيه، أنَّه رَأى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَجَرَّدَ لإِهْلَالِه، واغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (٥)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمَرَ أسْماءَ بنتَ عُمَيْسٍ، وهى نُفَسَاءُ، أن تَغْتَسِلَ عندَ الإِحْرَامِ (٦). وأمَرَ عائشةَ أن تَغْتَسِلَ عند الإِهْلالِ بالحَجِّ، وهي حائِضٌ (٧). ولأنَّ هذه العِبادَةَ يَجْتَمِعُ (٨) لها الناسُ، فسُنَّ لها الاغْتِسالُ، كالجُمُعَةِ، وليس ذلك وَاجِبًا في قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الإِحْرامَ جائِزٌ بغير اغْتِسَالٍ، وأنَّه غيرُ وَاجِبٍ. وحُكِىَ عن الحَسَنِ أنَّه قال: إذا نَسِىَ الغُسْلَ، يَغْتَسِلُ إذا ذَكَرَ. وقال الأَثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللَّه قِيلَ له عن بعضِ أهْلِ المَدِينَةِ: مَنْ تَرَكَ الاغْتِسَالَ (٩) عندَ الإِحْرَامِ، فعليه دَمٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأسْماءَ وهي نُفَسَاء: "اغْتَسِلِى". فكيف الطَّاهِرُ؟ فأظْهَرَ التَّعَجُّبَ من هذَا القَوْلِ. وكان ابنُ عمرَ يَغْتَسِلُ أحْيَانًا، وَيتَوَضَّأُ أحْيَانًا. وأىُّ ذلك فَعَلَ أجْزَأَهُ، ولا يَجِبُ الاغْتِسَالُ، ولا نُقِلَ الأمْرُ به إلَّا لِحَائِضٍ أو


(٥) في: باب ما جاء في الاغتسال عند الإِحرام، من أبواب الحج, عارضة الأحوذى ٤/ ٤٨:
كما أخرجه الدارمي، في: باب الاغتسال في الإِحرام، من كتاب المناسك. سنن الدارمي ٢/ ٣١.
(٦) أخرجه مسلم، في: باب إحرام النفساء. . .، من كتاب الحج. صحيح مسلم ٢/ ٨٦٩. وأبو داود، في: باب الحائض تهل بالحج، من كتاب المناسك. سنن أبي داود ١/ ٤٠٤. والنسائي، في: باب الاغتسال من النفاس، من كتاب الطهارة، وفي: باب ما تفعل النفساء عند الإِحرام، من كتاب الحيض، وفي: باب إهلال النفساء، من كتاب الحج. المجتبى ١/ ١٠١، ١٦٠، ٥/ ١٢٧، ١٢٨. وابن ماجه، في: باب النفساء والحائض تهل بالحج، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه ٢/ ٩٧١، ٩٧٢. والإمام مالك، في: باب الغسل للإِهلال، من كتاب الحج. الموطأ ١/ ٣٢٢.
(٧) تقدم تخريجه في صفحة ١٥.
(٨) في ب: "مجتمع".
(٩) في أ، ب، م: "الغسل".

<<  <  ج: ص:  >  >>