للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بمثلِ خَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُها أهْلُها رُطَبًا. ولأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ الكَيْلِ من الطَّرَفَيْنِ، سَقَطَ في أحَدِهِما لِلتَّعَذُّرِ، فيَجِبُ في الآخَرِ بِقَضِيَّةِ الأصْلِ. ولأنّ تَرْكَ الكَيْلِ من الطَّرَفَيْنِ يُكْثِرُ الغَرَرَ، وفى تَرْكِه من أحَدِهِما يُقَلِّلُ الغَرَرَ، ولا يَلْزَمُ من صِحَّتِه مع قِلَّةِ الغَرَرِ، صِحَّتُه مع كَثْرَتِه. ومعنى خَرْصِها بمِثْلِها من التَّمْرِ، أن يُطِيفَ الخارصُ بالعَرِيَّةِ، فيَنْظُرَ كم يَجِىءُ منها تَمْرًا، [فَيَشْتَرِيَها المُشْتَرِى بمِثْلِها تَمْرًا] (٢٤). وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. ونَقَلَ حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنّه قال: يَخْرُصُها رُطَبًا، ويُعْطِى تَمْرًا رُخْصَةً. وهذا يَحْتَمِلُ الأوَّلَ، ويَحتمِلُ أنّه يَشْتَرِيها بِتَمْرٍ مثلِ الرُّطَبِ الذى عليها؛ لأنّه بَيْعٌ اشْتُرِطَتِ المُماثَلَةُ فيه، فَاعْتُبِرَتْ حالَ البَيْعِ كسائِرِ البُيُوعِ. ولأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ المُماثَلَةِ في الحال، وأنْ لا يُباعَ الرُّطَبُ بالتَّمْرِ. خُولِفَ الأصْلُ في بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، فَيَبْقَى فيما عَداهُ علَى قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ. وقال القاضِى: الأوّلُ أصَحُّ؛ لأنّه يُبنى على خَرْصِ الثِّمَارِ في العُشْرِ الصَّحِيحِ، ثُم خَرْصِه تَمْرًا. أو لأنّ (٢٥) المُمَاثَلَةَ في بَيْعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ مُعْتَبَرَةٌ حالةَ الادِّخارِ، وبَيْعُ الرُّطَبِ بمِثْلهِ تَمْرًا يُفْضِى إلى فَواتِ ذلك. فأمّا إن اشْتَراها بِخَرْصِها رُطَبًا، لم يَجُزْ. وهذا أحَدُ الوُجُوهِ لأصْحابِ الشَّافِعِيِّ. والثاني، يجوزُ. والثالث، لا يجوزُ مع اتِّفَاقِ النَّوْعِ، ويجوزُ مع اخْتِلافِه. وَوَجْهُ جَوازِهِ، ما رَوَى الْجُوزَجانِيُّ، عن أبى صالِحٍ، عن اللَّيْثِ، عن ابن شِهابٍ، عن سالِمٍ، عن ابن عُمَرَ، عن زَيْدِ بن ثابِتٍ، عن رسولِ اللَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنّه أَرْخَصَ بعدَ ذلك في بَيْعِ العَرِيَّةِ بالرُّطَبِ، أو التَّمْرِ، ولم يُرَخِّصْ في غير ذلك (٢٦). ولأنّه إذا جازَ بَيْعُ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ مع اخْتِصَاصِ أحَدِهِما بالنَّقْصِ في ثاني الحال، فلَأن يجوزَ مع عَدَمِ ذلك أَوْلَى. ولَنا، ما رَوَى مُسْلِمٌ (٢٧) بإسْنَادِه عن زَيْدِ


(٢٤) سقط من: الأصل.
(٢٥) في م: "ولأن".
(٢٦) أخرجه النسائى، في: باب بيع العرايا بالرطب، من كتاب البيوع. المجتبى ٧/ ٢٣٥. والدارمى، في: باب في العرايا، من كتاب البيوع. سنن الدارمى ٢/ ٢٥٢. والبيهقى، في: باب من أجاز بيع العرايا بالرطب أو أكثر، من كتاب البيوع. السنن الكبرى ٥/ ٣١١.
(٢٧) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.

<<  <  ج: ص:  >  >>