للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قولَه: "وإذا فاضَلَ بين أوْلادِه" يَتَنَاوَلُ كلَّ والدٍ، ثم قال في سِيَاقِه: "أُمِرَ بِرَدِّه". فيَدْخُلُ فيه الأُمُّ. وهذا مذهبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّها داخِلَةٌ في قولِه: "إلَّا الوالِدَ فيما يُعْطِى وَلَدَه". ولأنَّها لما دَخَلَتْ في قولِ النبيِّ: "سَوُّوا بَيْنَ أوْلَادِكُمْ". يَنْبَغِى أن تَتَمَكَّنَ من التَّسْوِيَةِ، والرُّجُوعُ في الهِبَةِ طَرِيقٌ في التَّسْوِيَةِ، وربَّما تَعَيَّنَ طَرِيقًا فيها إذا لم يُمْكِنْ إعْطاءُ الآخَرِ مثلَ عَطِيَّةِ الأَوَّلِ، ولأنَّها لما دَخَلَتْ في المَعْنَى في حَدِيثِ بَشِيرِ [بن سعد] (٣١)، فيَنْبَغِى أن تَدْخُلَ في جَمِيعِ مَدْلُولِه؛ لقولِه: "فَارْدُدْهُ". وقوله: "فَأرْجِعْهُ". ولأنَّها لما سَاوَتِ الأَبَ في تَحْرِيمِ تَفْضِيلِ بعضِ وَلَدِها، يَنْبَغِى أن تُسَاوِيَه في التَّمَكُّنِ من الرُّجُوعِ فيما فَضَّلَه به، تَخْلِيصًا لها من الإِثْمِ، وإزَالةً لَلتَّفْضِيلِ المُحَرَّمِ، كالأَبِ. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّه ليس لها الرُّجُوعُ. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللَّه: الرُّجُوعُ لِلْمَرْأةِ فيما أعْطَتْه وَلَدَها كالرَّجُلِ؟ قال: ليس هي عندى في هذا كالرَّجُلِ؛ لأنَّ لِلأَبِ أن يَأْخُذَ من مالِ وَلَدِه، والأُمُّ لا تَأْخُذُ. وذَكَرَ حَدِيثَ عائِشَةَ: "أطْيَبُ [مَا أكلَ] (٣٢) الرجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وإنَّ وَلَدَه مِنْ كَسْبِهِ" (٣٣). أي كأنَّه الرَّجُلُ. قال أصْحابُنا: والحَدِيثُ حُجَّةٌ لنا، فإنَّه خَصَّ الوالِدَ، وهو بإطْلَاقِه إنَّما يَتَنَاوَلُ الأبَ دون الأُمِّ، والفَرْقُ بينهما أنَّ لِلْأَبِ وِلَايةً على وَلَدِه، ويَحُوزُ جَمِيعَ المالِ في المِيرَاثِ، والأُمُّ بخِلَافِه. وقال مالكٌ: للأُمِّ الرُّجُوعُ في هِبَةِ وَلَدِها ما كان أبُوه حَيًّا، فإن كان مَيِّتًا، فلا رُجُوعَ لها؛ لأنَّها هِبَةٌ لِيَتِيمٍ، وَهِبَةُ اليَتِيمِ لازِمَةٌ، كصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، ومن مَذْهَبِه أنَّه لا يُرْجَعُ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.


(٣١) سقط من: م.
(٣٢) في م: "مأكل".
(٣٣) أخرجه أبو داود، في: باب الرجل يأكل من مال ولده، من كتاب البيوع. سنن أبي داود ٢/ ٢٥٩. والترمذي، في: باب ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده، من أبواب الأحكام. عارضة الأحوذى ٦/ ١١٠. والنسائي، في: باب الحث على الكسب، من كتاب البيوع. المجتبى ٧/ ٢١٢. وابن ماجه، في: باب ما للرجل من مال ولده، من كتاب التجارات. سنن ابن ماجه ٢/ ٧٦٩. والإِمام أحمد، في: المسند: ٦/ ٣١، ٤١، ٤٢، ١٢٧, ١٦٢, ١٩٣, ٢٢٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>