للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأصحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ إطلاقَ الملك يَقتضِى ذلك فإنْ أبانَها دونَ الثَّلاثِ فوُجدَتِ الصِّفةُ، ثم تَزوَّجَها، انحلَّتْ يمينُه فى قولِهم، وإن لم تُوجَد الصِّفةُ فى البَيْنُونةِ، ثم نكحَها، لم تَنْحلَّ فى قولِ مالكٍ، وأصْحابِ الرأى، وأحدِ أقوالِ الشَّافعىِّ. وله قولٌ آخر: لا تَعودُ الصِّفةُ بحالٍ. وهو اخْتيارُ المُزَنِىِّ، وأبى إسحاقَ؛ لأنَّ الإيقاعَ وُجِدَ قبلَ النِّكاحِ فلم يَقَعْ، كما لو علَّقَه بالصِّفةِ قبلَ أن يَتزوَّجَ بها، فإنَّه لا خلافَ فى أنَّه لو قال لأجْنَبِيَّةٍ: أنتِ طالقٌ إذا دخلْتِ الدَّارَ. ثم تَزوَّجَها، ودخلَتِ الدَّارَ، لم تَطْلُقْ. وهذا فى معناه. فأمَّا إذا وُجدَتِ الصِّفةُ فى حالِ البَيْنُونةِ، انْحلَّتِ اليَمِينُ؛ لأنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فى وقتٍ لا يُمْكِنُ وقوعُ الطَّلاقِ فيه، فسَقطَتِ اليمينُ، وإذا انحلَّتْ مرَّةً، لم يُمْكِنْ عَوْدُها إلَّا بعَقْدٍ جديدٍ. ولَنا، أَنَّ عقدَ الصِّفَةِ ووُقوعَها وُجِدَا فى النِّكاحِ، فيَقَعُ، كما لو لم يَتَخَلَّلْه بينونةٌ، أو كما لو بانَتْ بما دُونَ الثَّلاثِ عند مالكٍ، وأبى حنيفةَ، ولم تَفْعلِ الصِّفةَ. وقولُهم: إنَّ هذا طلاقٌ قبلَ نِكاحٍ. قُلْنا: يَبطُلُ بما إذا لم يُكْملِ الثَّلاثَ. وقولُهم: تَنْحلُّ الصِّفةُ بفِعْلِها. قُلْنا: إنَّما تَنْحلُّ بفعلِها على وجهٍ يَحْنَثُ به؛ وذلك لأنَّ اليَمِينَ حُلَّ وعُقِدَ، ثم ثَبَتَ أنَّ عَقْدَها يَفتقرُ إلى المِلْكِ، فكذلك حَلُّها، والحِنثُ لا يَحصُلُ بفعلِ الصِّفةِ حالَ بَيْنُونتِها، فلا تَنحلُّ اليمينُ (٢٩). وأما العِتْقُ ففيه رِوَايتانِ؛ إحداهما، أنَّ العِتْقَ كالنِّكاحِ فى أنَّ الصِّفةَ لا تَنحلُّ بوجودِها بعد بيعهِ، فيكونُ كمَسْألتِنا. والثَّانيةُ، تَنحلُّ؛ لأنَّ المِلْكَ الثَّانى لا يُبْنَى على الأوَّلِ فى شىءٍ من أحكامِه. وفَارقَ النِّكاحَ، فإنَّه يُبْنَى على الأوَّلِ فى بعض أحكامِه، وهو عَدَدُ الطَّلاقِ، فجازَ أن يُبْنَى عليه فى عَوْدِ الصِّفَةِ، ولأنَّ هذا يفعلُ حِيلَةً على إبطالِ الطَّلاقِ المُعلَّقِ، والحِيَلُ خِدَاعٌ لا تُحِلُّ ما حرَّمَ اللَّهُ، فإنَّ ابنَ مَاجَه (٣٠) وابنَ بَطَّةَ روَيا بإسنادِهما، عن أبى موسى قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:


(٢٩) فى أزيادة: "له".
(٣٠) أخرجه ابن ماجه، فى: باب حدثنا سويد بن سعيد، من كتاب الطلاق. سنن ابن ماجه ١/ ٦٥٠.
كما أخرجه البيهقى، فى: باب ما جاء فى كراهية الطلاق، من كتاب الخلع والطلاق. السنن الكبرى ٧/ ٣٢٣، ٣٢٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>