للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويَرْكَبَ ويُصَلِّىَ إن حَضَرتِ الصلاةُ، ويُحْرِزَ (١٢) مالَه إن كان غيرَ مُحْرَزٍ (١٣)، وأشْباه هذا (١٤) من أَشْغالِه، فإن أخَّرَه بعدَ هذا كلِّه، لم يكُنْ له نَفْيُه. وقال أبو حنيفةَ: له تأخيرُ نَفْيِه يومًا ويومينِ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ النَّفْىَ عَقِيبَ الوِلادةِ يَشُقُّ، فقُدِّرَ باليَوْمينِ لقِلّتِه. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: يتَقَدّرُ بمُدَّةِ النِّفاسِ؛ لأنَّها جارِيةٌ مَجْرَى الوِلادةِ فى الحُكْمِ. وحُكِىَ عن عَطاء، ومُجاهدٍ، أَنَّ له نَفْيَه ما لم يَعْتَرِفْ به فكان له نفيُه، كحالةِ الوِلادةِ. ولَنا، أنَّه خِيارٌ لدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فكان على الفَوْرِ، كخِيارِ الشُّفْعةِ، وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الْوَلَدُ للفِرَاشِ" (١٥). عامٌّ خرَج منه ما اتّفَقْنا عليه مع السُّنَّةِ الثابتةِ، فما عَدَاه يَبْقَى على عُمُومِ الحديثِ، وما ذكَره أبو حنيفةَ يَبْطُلُ بخِيارِ الرَّدِّ بالعَيْبِ، والأخْذِ بالشُّفْعةِ، وتقدِيرُه بمُدّةِ النِّفاس تَحَكُّمٌ لا دلِيلَ عليه، وما قاله عطاءٌ يَبْطُلُ أيضًا بما ذكَرْناه، ولا يَلْزَمُ القِصاصُ؛ فإنَّه (١٦) لِاسْتِيفاءِ حَقٍّ لا لِدَفْعِ ضَرَرٍ، ولا الْحَمْلُ؛ لأنَّه (١٧) لم يتَحَقَّقْ ضَرَرُه. إذا ثَبَتَ هذا، فهل يتقدَّرُ الخِيارُ فى النَّفْى بمَجْلِسِ العِلْمِ، أو بإمكانِ النَّفْى؟ على وجهينِ؛ بِناءً على المُطالبةِ بالشُّفْعةِ، فإن أخَّرَ نَفْيَه عن ذلك، ثم ادَّعَى أنَّه لا يَعلمُ بالوِلادةِ، وأمْكَنَ صِدْقُه، بأن يكونَ فى مَوْضعٍ يَخْفَى عليه ذلك، مثل أن يكونَ فى مَحَلَّةٍ أُخْرَى، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ العِلْمِ، وإن لم يُمْكِنْ، مثل أن يكونَ معها فى الدَّارِ، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ ذلك لا يكادُ يَخْفَى عليه. وإن قال: عَلِمْتُ وِلادَتَه، ولم أعلمْ أَنَّ لى نَفْيَه. أو: عَلِمْتُ ذلك، ولم أعلمْ أنَّه على الفَوْرِ. وكان ممَّن يَخْفَى عليه ذلك، كعامَّةِ الناسِ، قُبِلَ منه؛ لأنّ هذا ممَّا يَخْفَى عليهم، فأشْبَهَ ما لو كان حديثَ عهدٍ بإسْلام، وإن كان فقيهًا، لم يُقْبَلْ ذلك منه؛ لأنَّه ممَّا لا


(١٢) فى ب: "ويحوز".
(١٣) فى الأصل: "محروز".
(١٤) فى م: "ذلك".
(١٥) تقدم تخريجه فى: ٧/ ٣١٦.
(١٦) فى أ، م: "لأنه".
(١٧) فى أ: "فإنه".

<<  <  ج: ص:  >  >>