للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فُقِدَ الشرطُ لم يكُنْ لها خِيارٌ. فإذا قُلْنا باشْتِراطِها، فإنَّما يُعْتَبرُ وُجُودُها حالَ العَقْدِ، فإن عُدِمَتْ بعدَه، لم يَبْطُل النكاحُ؛ لأنَّ شُرُوطَ النكاحِ إنَّما تُعْتَبَرُ لَدَى العَقْدِ. وإن كانت مَعْدُومةً حالَ العَقْدِ، فالنكاحُ فاسِدٌ، حُكْمُه حكمُ العُقُودِ الفاسِدَةِ، على ما مَضَى. فإن قُلْنا: ليست شَرْطًا. فرَضِيَتِ المرأةُ والأولياءُ كلُّهم، صَحَّ النِّكاحُ، وإن لم يَرْضَ بعضُهم، فهل يَقَعُ العقدُ باطلًا من أصْلِه أو صحِيحًا؟ فيه روايتانِ عن أحمدَ، وقولان للشافعىِّ. أحدهما، هو باطلٌ؛ لأنَّ الكفاءةَ حقٌّ لجَمِيعِهِم، والعاقِدُ (٢٧) مُتَصَرِّفٌ فيها بغيرِ رِضَاهُم، فلم يَصِحَّ، كتَصَرُّفِ الفُضُولِىِّ. والثانية، هو صَحِيحٌ (٢٨)؛ بدَليلِ أَنَّ المرأةَ التى رَفَعَتْ إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنَّ أباها زَوَّجَها من غيرِ كُفْئِها خَيَّرَها، ولم يُبْطِل النِّكاحَ (٢٩) من أصْلِه. ولأنَّ العَقْدَ وَقَعَ بالإِذْنِ، والنَّقْصُ الموجودُ فيه لا يَمْنَعُ صِحّتَه، وإنَّما يُثْبِتُ الخِيارَ، كالعَيْبِ من العُنَّةِ وغيرِها. فعلى هذه الرِّوايةِ لمن لم يَرْضَ الفَسْخُ. وبهذا قال الشافعىُّ، ومالكٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا رَضِيَتِ المرأةُ وبعضُ الأوْلياءِ، لم يكُنْ لباقى الأوْلياءِ فَسْخٌ؛ لأنَّ هذا الحَقَّ لا يَتَجَزَّأُ، وقد أسْقَطَ بعضُ الشُّركاءِ حَقَّه، فسَقَطَ جَمِيعُه، كالقِصَاص. ولَنا، أَنَّ كلَّ واحدٍ من الأولياءِ يُعْتَبَرُ رِضَاه، فلم يَسْقُطْ برِضَى غيرِه، كالمرأةِ مع الوَلِىِّ. فأمَّا القصَاصُ فلا يثْبُتُ لكلِّ واحدٍ كاملًا، فإذا سَقَطَ بعضُه، تَعَذّرَ اسْتِيفاؤه، وههُنا بخِلافِه، ولأنَّه لو زَوَّجَها بدون مَهْرِ مِثْلِها، مَلَكَ الباقُونَ عندَهم الاعْتِراضَ، مع أنَّه خالصُ حَقِّها، فههُنا مع أنَّه حَقٌّ لهم أوْلَى. وسواءٌ كانوا مُتَساوِينَ فى الدَّرَجةِ، أو مُتَفاوتِينَ، فزَوَّجَ الأقرَبُ، مثل أن يُزَوِّجَ الأبُ بغيرِ كُفْءٍ، فإنَّ للإخْوةِ الفَسْخَ. وقال مالكٌ، والشافعىُّ: ليس لهم فَسْخٌ (٣٠) إذا زَوَّجَ الأقْرَبُ؛ لأنَّه لا حَقَّ للأبْعدِ معه، فرِضاؤه لا يُعتبرُ. ولَنا، أنَّه وَلِىٌّ فى حالٍ يَلْحَقُه العارُ بفَقْدِ الكفاءةِ، فمَلَكَ الفَسْخَ كالمُتَساوِيَيْنِ.


(٢٧) فى م: "والعاقل".
(٢٨) فى أ، م: "الصحيح".
(٢٩) سقط من: الأصل.
(٣٠) فى م: "الفسخ".

<<  <  ج: ص:  >  >>