للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفصل الثاني: إذا لم يُمْكِن (١١) الأخْذُ من بيتِ المالِ، فليس على القاتِلِ شيءٌ. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الدِّيَةَ لَزِمَتِ العاقلةَ ابتداءً، بدَليلِ أنَّه لا يُطالَبُ بها غيرُهم، ولا يُعْتَبَرُ تَحَمُّلُهُم ولا رِضَاهُم بها، ولا تَجِبُ على غيرِ مَنْ وجَبَتْ عليه، كما لو عُدِمَ القاتِلُ، فإنَّ الدِّيَةَ لا تَجِبُ على أحدٍ، كذا ههُنا. فعلى هذا، إن وُجِدَ بعضُ العاقلةِ، حُمِّلُوا بقِسْطِهِم، وسَقَطَ الباقِى، فلا يَجِبُ على أحدٍ، ويتَخَرّجُ أن تَجِبَ الدِّيَةُ على القاتلِ إذا تَعَذَّرَ حَمْلُها عنه. وهذا القولُ الثاني للشافعيِّ؛ لعمومِ قولِ اللَّه تعالى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} (١٢). ولأنَّ قَضِيَّةَ الدَّليلِ وُجُوبُها على الجانِى جَبْرًا للمَحَلِّ الذي فَوَّتَه، وإنما سَقَطَ عن القاتلِ لقيامِ العاقلةِ مَقَامَه في جَبْرِ المَحَلِّ، فإذا لم يُؤْخَذْ ذلك، بَقِىَ واجِبًا عليه بمُقْتَضَى الدَّليلِ، ولأنَّ الأمْرَ دائرٌ بين أن يُطَلَّ دَمُ المَقْتُولِ، وبينَ إيجابِ دِيَتِه على المُتْلِفِ، لا يجوزُ الأوَّلُ؛ لأنَّ فيه مُخالَفةَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وقِياسِ أصُولِ الشريعةِ، فتَعَيَّنَ الثاني، ولأنَّ إهْدارَ الدَّمِ المَضْمُونِ لا نَظِيرَ له، وإيجابُ الدِّيَةِ على قاتلِ الخطإِ له نَظائرُ، فإنَّ المُرْتَدَّ لمَّا لم يكُنْ له عاقلةٌ تَجبُ الدِّيَةُ في مالِه، والذِّمِّىَّ الذي لا عاقلةَ له تَلْزَمُه الدِّيَةُ، ومَنْ رَمَى سَهْمًا ثم أسْلَم، أو كان مُسْلِمًا فارْتَدَّ، أو كان عليه الولاءُ لمَوالِى أُمِّه فَانْجَرَّ إلى مَوالِى أبيه، ثم أصاب بسَهْمٍ إنْسانًا فقَتَلَه، كانت الدِّيَةُ في مالِه؛ لتَعَذُّرِ حَمْلِ عاقِلَتِه عَقْلَه، كذلك ههُنا، فنُحرِّرُ (١٣) منه قِياسًا فنقولُ: قَتِيلٌ مَعْصُومٌ في دارِ الإِسلامِ، تَعَذَّرَ حَمْلُ عاقِلَتِه عَقْلَه (١٤)، فوَجَبَ على قاتِلِه، كهذه الصُّورةِ (١٥). وهذا أوْلَى من إهْدارِ دِماءِ الأحْرارِ في أغْلَبِ الأحْوالِ، فإنَّه لا يَكادُ يُوجَدُ عاقلةٌ تَحْمِلُ الدِّيَةَ كلَّها، ولا سَبيلَ إلى الأخْذِ من بيتِ المالِ، فتَضِيعُ الدِّماءُ، ويَفُوتُ


(١١) في ب زيادة: "بيان".
(١٢) سورة النساء ٩٢.
(١٣) في ب: "فيجوز" تحريف.
(١٤) سقط من: ب.
(١٥) في ب: "الصور".

<<  <  ج: ص:  >  >>