للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

سَعى}، فأنزل الله بعد ذلك: {والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: ٢١]، فأدخل الله الأبناء الجنة بصلاح الآباء (١) [٦٢٩٥]. (١٤/ ٤٩)

[آثار متعلقة بالآية]

٧٣٥٥٨ - عن عبد الله بن عباس، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ: {وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى} استرجع، واستكان (٢). (١٤/ ٤٩)

{وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)}

٧٣٥٥٩ - قال مقاتل بن سليمان: {وأَنَّ سَعْيَهُ} يعني: عمله في الدنيا {سَوْفَ يُرى} في الآخرة حين ينظر إليه (٣). (ز)


[٦٢٩٥] اختُلِف في معنى: {وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى} على أقوال: الأول: أنها منسوخة بقوله: {واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: ٢١]، فأُدخِل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. الثاني: أنّ ذلك كان لقوم إبراهيم وموسى?، وأما هذه الأمَّة فلهم ما سَعَوا وما سعى غيرُهم. الثالث: أنّ المراد بالإنسان هاهنا: الكافر، فأمّا المؤمن فله ما سعى وما سُعي له. الرابع: أنه ليس للإنسان إلاّ ما سعى من طريق العدل، فأمّا مِن باب الفضل فجائزٌ أن يزيده الله ما يشاء.
وبيَّن ابنُ جرير (٢٢/ ٨٠) أن القول بالنسخ مذكور عن ابن عباس، ثم ساق رواية علي بن أبي طلحة في ذلك.
وانتقد ابنُ عطية (٨/ ١٢٦) القول بالنسخ -مستندًا إلى عدم التعارض- قائلًا: «وهذا لا يصِحُّ عندي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -؛ لأنه خبر لا يُنسَخ، ولأن شروط النسخ ليست هنا». غير أنه ذَكَر له وجْهًا يُمكِن أن يُحمَل عليه، فقال: «اللهم، إلا أن يُتَجَوَّز في لفظة النسخ؛ ليُفهِم سائلًا».
وكذا ابنُ تيمية (٦/ ١٤٦ - ١٤٧) فقال: «اللفظ المنقول عن ابن عباس رواه علي بن أبي طلحة الوالبي عنه، وقد قيل: إنه لم يسمعه منه، بل من أصحاب ابن عباس. قال: فأدخل الله الأبناء بصلاح الآباء الجنة. ولم يذكر نسخًا». ثم وجَّه ابنُ تيمية القول بالنسخ -على افتراض أن ابن عباس قاله- بقوله: «ولو ذكره فمراد الصحابة بالنسخ: المذكور في قوله: {فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ} [الحج: ٥٢]، وهو فهْم معنى الآية على غير الصواب والمراد منها، فقد بيَّن ابن عباس أنه لم يُرد بهذه الآية أن الإنسان لا ينتفع بعمل غيره، فإنّ الأبناء انتفعوا بعمل آبائهم، فهذا نسخٌ لما فُهم منها، لا لما دلت عليه». ثم علَّق بقوله: «وهذا القول المنقول عن ابن عباس أحسن ما قيل فيها، وقد ضعَّفه مَن لم يفهمه».
وكذا ابنُ القيم (٣/ ٨٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا ضعيفٌ أيضًا، ولا يُرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس - رضي الله عنهما - ولا غيره: إنها منسوخة. والجمع بين الآيتين غير متعذر ولا ممتنع، فإنّ الأبناء تبعوا الآباء في الآخرة كما كانوا تبعًا لهم في الدنيا، وهذه التبعيّة هي من كرامة الآباء وثوابهم الذي نالوه بسعيهم، وأما كون الأبناء لحقوا بهم في الدرجة بلا سعي منهم فهذا ليس هو لهم، وإنما هو للآباء، أقرّ الله أعينهم بإلحاق ذُرّيتهم بهم في الجنة، وتفضّل على الأبناء بشيء لم يكن لهم كما تفضّل بذلك على الوِالدان والحُور العين والخلْق الذين ينشئهم للجنة بغير أعمال والقوم الذين يُدخلهم الجنة بلا خير قدّموه ولا عملٍ عملوه. فقوله تعالى: {ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى}، وقوله: {وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى} آيتان مُحكمتان، يقتضيهما عدل الرّبّ -تعالى- وحكمته وكما له المقدّس، والعقل والفطرة شاهدان بهما، فالأولى: تقتضي أنه لا يعاقب بجُرم غيره، والثانية: تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله وسعيه، فالأولى: تؤمِّن العبد من أخْذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا، والثانية: تقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، فتأمل حسن اجتماع هاتين الآيتين».
ورجَّح ابنُ عطية (٨/ ١٢٧) -مستندًا إلى دلالة المعروف لغة- قائلًا: «والتحرير عندي في هذه الآية: أنّ مَلاك المعنى هو في اللام من قوله تعالى: {لِلْإنْسانِ}، فإذا حقّقتّ الشيء الذي حقُّ الإنسان أن يقول فيه:» لي كذا «لم تَجِدْه إلا سعيه، وما تمَّ بَعْدُ من رحمة بشفاعة أو رعاية أبٍ صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمُّد بفضل أو رحمة دون هذا كلّه، فليس هو للإنسان ولا يَسَعُه أن يقول:» لي كذا وكذا «، إلا على تجوُّز وإلحاق بما هو له حقيقة».
ومثله رجَّح ابنُ تيمية (٦/ ١٤٤) -مستندًا إلى دلالة ظاهر اللفظ- «أن الله أخبرَ عما في الصحف أنه {لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى}، ولم يقل: لا يَنتفعُ إلاّ بما سعى، وأن الإنسان فيما ينتفع به في الدنيا قد ينتفع بما يَملِكه وبما لا يَملِكه، فلا يلزم من نَفْيِ الملكِ نَفْي الانتفاع، لكن هو يستحقُّ الثوابَ على سَعْيِه لأنه حقُّه، فلا يَخاف منه ظلمًا ولا هَضْمًا، وأما سعيُ غيرِه فهو لذلك الغير، فإن سعى له ذلك الغيرُ أثابَ الله ذلك الساعيَ على سَعْيه، ونفعَ هذا مِن سَعْيِ ذلك بما شاء، كما يثيبُ الداعيَ على دعائِه لغيره وينتفع المدعوُّ له».
وانتقد ابنُ تيمية (٦/ ١٤٧) القول الثاني -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «وهذا ضعيف؛ لأنّ الله إنما ذكر هذا ليختَبر به هذه الأمّة كما تقدم، وليعلموا أنّ هذا حكم شامل، ولو كان هذا مخصوصًا بالأمَّتين لم تقم به حُجّةٌ على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -».
وكذا ابنُ القيم (٣/ ٨١) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «وهذا أيضًا أضعف من الأول -أي: من القول الثالث- أو من جنسه، فإنّ الله سبحانه أخبر بذلك إخبارَ مُقَرِّرٍ له محتجٍّ به، لا إخبار مُبطلٍ له، ولهذا قال: {أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى} [النجم: ٣٦]، فلو كان هذا باطلًا في هذه الشريعة لم يُخبر به إخبار مقرّر له محتجّ به».
وانتقد ابنُ تيمية (٦/ ١٤٧) القول الثالث -مستندًا إلى السياق- قائلًا: «وهذا أيضًا ضعيفٌ جِدًّا، فإنّ الذي في صحف إبراهيم وموسى لا يختص به الكافر، وقوله بعده: {وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى} الآياتِ يتناول المؤمن قطعًا، وهو ضمير الإنسان، بل لو قيل: إنه يتناول المؤمن دون الكافر لكان أرجح من العكس، مع أنّ حكم العدل لا فرق فيه بين مؤمن وكافر، وما استحقّه المؤمن بخصوصه فهو بإيمانه ومن سعيه».
وكذا ابنُ القيم (٣/ ٨٠) -مستندًا إلى دلالة العموم- قائلًا: «وهذا الجواب ضعيف جِدًّا، ومثل هذا العام لا يُراد به الكافر وحده، بل هو للمسلم والكافر، وهو كالعام الذي قبله، وهو قوله تعالى: {ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى}، والسياق كلّه مِن أوله إلى آخره كالصريح في إرادة العموم؛ لقوله تعالى: {وأَن سَعْيَهُ سَوفَ يُرى ثمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأَوْفى} [النجم: ٤٠ - ٤١]، وهذا يعمّ الشر والخير قطعًا، ويتناول البَرّ والفاجر والمؤمن والكافر؛ كقوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: ٧ - ٨]، وكقوله له في الحديث الإلهي: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إيّاها، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». وهو كقوله تعالى: {يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ} [الانشقاق: ٦]».
وانتقد ابنُ القيم (٣/ ٨١) أن يُراد بالإنسان شخص معيّن، فقال: «ولا تغتر بقول كثير من المفسّرين في لفظ الإنسان في القرآن: الإنسان هاهنا أبو جهل، والإنسان ها هنا عقبة بن أبى مُعَيط، والإنسان هاهنا الوليد بن المغيرة. فالقرآن أجلُّ من ذلك، بل الإنسان هو الإنسان من حيث هو من غير اختصاص بواحدٍ بعينه، كقوله تعالى: {إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: ٢]، و {إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: ٦]، و {إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا} [المعارج: ١٩]، و {إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أن رَآهُ اسْتَغْنى} [العلق: ٦ - ٧]، و {إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ} [إبراهيم: ٣٤]، و {وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: ٧٢]».
وانتقد ابنُ تيمية (٦/ ١٤٨) القول الرابع قائلًا: «وهو أمثل مِن غيره من الأقوال، ومعناه صحيح، لكنه لم يفسّر الآية، فإن قوله: {لَيْسَ لِلإنْسانِ} نفيٌ عامٌّ، فليس له إلا ذلك، وهذا هو العدل، ثم إنّ الله قد ينفعه ويرحمه بغير سعيه من جِهة فضْله».

<<  <  ج: ص:  >  >>