للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

[المطلب الأول المعيار الذي عليه المدار في نقد الأخبار]

الغاية التي يسعى منهج نقد المحدثين لتحقيقها مؤسَّسة على معيار واحد عليه المدار في منهج النقد الحديثي؛ وهو غلبة الظن بصواب الرواية أو غلبة الظن بخطئها، فالمقبول ما غلب على الظن صوابه، والمردود ما غلب على الظن خطؤه. والتعبير بغلبة الظن صريح في أن مسألة القبول والرد في مجملها ومعظمها اجتهادية لا يقين فيها ولا قطع؛ يقول الدارمي في ردّه على بشر المريسي مقررًا أن المدار على غلبة الظن وأنه ليس ثم قطعيات يقينية: "ويلك! إن العلماء لم يزالوا يختارون هذه الآثار ويستعملونها، وهم يعلمون أنه لا يجوز لأحد منهم أن يحلف على أصحها: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قاله البتة، وعلى أضعفها: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يقله البتة. ولكنهم كانوا لا يألون الجهد في اختيار الأحفظ منها، والأمثل فالأمثل من رواتها في أنفسهم" (١).

وقال العراقي: "فإِنَّ باب الرِّواية مبنيٌّ على غلبة الظن" (٢).

وقال ابن حجر: "تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلية الظن؛ فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا. لم يتعين خطؤه في نفس الأمر؛ بل هو راجح الاحتمال فيعتمد، ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذ؛ وهو ما يخالف الثقة فيه من هو أرجح منه في حد الصحيح" (٣).

ويقول السيوطي: "إذا قيل هذا حديث صحيح؛ فالمراد بحسب الظاهر وما اقتضاه إسناده، لا أنه مقطوع به في نفس الأمر؛ لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، وكذا إذا قيل: حديث ضعيف؛ فالمراد أنه لم يصح إسناده فحكم بضعفه، عملًا بظاهر الإسناد


(١) نقض الدارمي على بشر المريسي ٢/ ٦٤٤، ٦٤٥.
(٢) طرح التثريب في شرح التقريب ٢/ ١٠٥.
(٣) فتح الباري، لابن حجر ١/ ٥٨٥، وينظر: شرح النووي على مسلم ١/ ١٢٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>