للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

استثقال نسبة ما هو معلوم للصحابي أو من احتياط التابعي في نسبته شيئًا للصحابي بل يدخل الخطأ في ذلك أيضًا، ولا يتيسر تمييز ذلك بعضه من بعض إِلا لمن سبر الروايات والمرويات وكانت لديه الخبرة والملكة التي بها يميز بين ذلك.

فهذا أبو زرعة يحكم بخطأ نسبة أثر لغير قائله مرة ببيان خطأ نسبته لصحابي، ومرة ببيان خطأ نسبته لتابعي؛ فقد ذكر رواية "وكيع عن حماد بن زيد، عن عمرو ابن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، في قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: ٦]، قال: لكفور"، ثم قال: "هذا وهم؛ وهم فيه وكيع، إنما هو: عن أبي الجوزاء فقط". وذكر نفس الأثر وأَعَلَّ نسبته لتابعي، وصحح نسبته لتابعي آخر؛ فقد ذكر أثرًا رواه ابن نمير، عن يحيى بن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: ٦]؛ قال: "لكفور"، ثم قال: هذا خطأ، إنما هو منصور عن مجاهد" (١).

وإذا تأملت هذا المثال وجدت أن التفسير لم يختلف من رواية إلى رواية؛ بل ورد بنفس اللفظة المفسرة، وهو أيضًا تفسير لغوي؛ ورغم هذا حكم أبو زرعة بخطأ نسبته لابن عباس، وبخطأ نسبته لإبراهيم كذلك، لأن نسبة القول لقائل تستلزم ثبوته عنه.

بل الأعجب من هذا قول ابن أبي حاتم: "وسألت أبا زرعة عن حديث رواه موسى بن أعين عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} [العاديات: ١] قال: الخيل. ورواه زياد البكائي عن ليث عن عطاء عن ابن عباس، فقلت لأبي زرعة: أيهما أصح؟ فقال: موسى بن أعين أحفظ" (٢).

وإذا تأملت هذا المثال وجدت أن كلا الطريقين ينسب التفسير لابن عباس، وكلاهما من رواية تلاميذه وأخصائه المعروفين بالسماع منه عطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبر، لكن هذا لم يمنع ابن أبي حاتم من السؤال عن الأثر، ولم يمنع أبا زرعة من البيان؛ لأن المدار هنا على إصابة الراوي في حكاية الإسناد أو خطأه، فحيث ثبت خطؤه فلا سبيل إلى اعتجاره، بل هو مسقط ملغى إذ المنكر أبدًا منكر.


(١) علل الحديث ٤/ ٥٩٣، ٥٩٤.
(٢) علل الحديث ٤/ ٥٩٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>