وكان مِن خبره وخبر قومه ما ذكَر الله في القرآن، يقول اللهُ:{وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيرُهُ}. فكانوا -مع ما كان فيهم مِن الشرك- أهلَ بَخْسٍ في مكاييلِهم وموازينِهم، مع كفرِهم بربِّهم وتكذيبهم نبيَّهم، وكانوا قومًا طُغاةً بُغاةً، يَجْلِسون على الطريق، فيَبْخَسون الناس أموالَهم، يعني: يُعشِّرونَهُ (١)، وكان أول مَن سنَّ ذلك هُم، وكانوا إذا دخل عليهم الغريبُ يأخُذون دراهمَه، ويقولون: دراهمُك هذه زُيُوفٌ. فيُقَطِّعونها ثم يَشتَرونها منه بالبَخْس، يعني: بالنقصان، فذلك قولُه:{ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}. وكانت بلادُهم بلادَ مِيرَة، يمتارُ الناس منهم، فكانوا يَقْعدون على الطريق، فيَصُدُّون الناسَ عن شعيب؛ يقولون: لا تسمعوا منه، فإنه كذّابٌ يَفْتِنُكم. فذلك قولُه:{ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} الناسَ: إن اتَّبعْتم شعيبًا فتَنَكم. ثم إنهم تواعدوه، فقالوا: يا شعيبُ، لنخرِجَنَّك مِن قريتِنا، {أو لتعودن في ملتنا}. أي: إلى دين آبائِنا، فقال عند ذلك:{وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت} وهو الذي يعصمني، {وإليه أنيب}[هود: ٨٨] يقول: إليه أرْجِعُ. ثم قال:{أولو كنا كارهين} يقول: إلى الرجعة إلى دينكم؟ إن رجَعْنا إلى دينكم فقد افتَرَيْنا على الله كذبًا، {وما يكون لنا} يقول: وما يَنبغِي لنا {أن نعود فيها} بعدَ إذ نجّانا الله منها {إلا أن يشاء الله ربنا} خاف العاقبةَ فردَّ المشيئة إلى الله تعالى، فقال:{إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علمًا} ما نَدْري ما سبَق لنا، عليه توكَّلنا، {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} يعني: الفاصلين. قال ابن عباس: كان حليمًا صادقًا وقورًا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذكَر شعيبًا يقول:«ذاك خطيبُ الأنبياء». لِحُسن مراجعتِه قومَه فيما دعاهم إليه، وفيما ردُّوا عليه، وكذَّبوه، وتواعدوه بالرَّجم، والنفي من بلادِهم. وتواعَد كبراؤُهم ضعفاءَهم، قالوا:{لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون}. فلم ينتَهِ شعيب أنْ دعاهم، فلما عَتَوْا على الله أخَذَتْهم الرجفة؛ وذلك أنّ جبريل نزَل فوقف عليهم، فصاح صيحةً رجَفتْ منها الجبال والأرض، فخرَجت أرواحُهم مِن أبدانهم، فذلك قوله:{فأخذتهم الرجفة}. وذلك أنهم حين سَمِعوا الصيحة قاموا قيامًا، وفزِعوا لها، فرَجَفَتْ بهم الأرضُ، فرمَتْهم مَيِّتِين، فلما رَدُّوا عليه النصيحة،