ورجَّح ابنُ جرير (١٨/ ٢٦٩ - ٢٧٠) القراءة الثانية والمعنى الثالث فيها مستندًا إلى السياق، فقال: «وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب قراءةُ مَن قرأه: {قالوا سحران تظاهرا} بمعنى: كتاب موسى وهو التوراة، وكتاب عيسى وهو الإنجيل. وإنما قلنا: ذلك أولى القراءتين بالصواب؛ لأنّ الكلام مِن قَبْلِه جرى بذِكر الكتاب، وهو قوله: {وقالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} والذي يليه مِن بعده ذكر الكتاب، وهو قوله: {فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه} فالذي بينهما بأن يكون مِن ذكره أولى وأشبه بأن يكون مِن ذِكْرِ غيره». ورجَّح ابنُ كثير (١٠/ ٤٦٩) أنّ الظاهر على قراءة: {سحران}: التوراة والقرآن، مستندًا إلى السياق، والنظائر، فقال: «والظاهر على قراءة: {سحران} أنهم يعنون: التوراة والقرآن؛ لأنه قال بعده: {قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه}، وكثيرًا ما يقرن الله بين التوراة والقرآن، كما في قوله تعالى: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} إلى أن قال: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} [الأنعام: ٩١ - ٩٢]». وذكر عدة آيات تؤيد ما قال، وكذا قول ورقة للنبي: هذا الناموس الذي أنزل على موسى. وساق ابنُ عطية (٦/ ٥٩٧) الأقوال، ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يريد بـ {ما أُوتِيَ مُوسى} أمْر محمد -عليهما الصلاة والسلام- الذي في التوراة، كأنه يقول: وما يطلبون بأن يأتي بمثل ما أوتي موسى وهم قد كفروا -في التكذيب بك- بما أوتيه موسى - عليه السلام - من الإخبار بك، وقالوا: إنا بكل كافرون». ثم قال: «وقوله تعالى: {إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ} يؤيد هذا التأويل». ويلاحظ أنّ ابن عطية ذكر قولًا رابعًا في قراءة {ساحِرانِ}، وهو أن المراد: موسى وعيسى. ونسبه للحسن. ولعله فهم هذا من العطف الذي في قول الحسن، ولم يذكر أحدٌ غيرُه هذا القول؛ لأن البقية حملوا العطف على أن المراد به أحد النبيين مع محمد؛ فإما موسى ومحمد، أو عيسى ومحمد، لا كما فهم ابن عطية.