ثم رجَّح مستندًا إلى دلالة العقل، والتاريخ المجمع عليها عند علماء الأخبار القولَ الأول بأن «الأربعين» منصوبةٌ بـ «التحريم»، ومُبَيِّنًا أنّ هذا التحريم وقع عليهم جميعًا، لا على بعضٍ دون بعض، فقال: «وأَوْلى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ مَن قال: إنّ» الأربعين «منصوبة بـ» التحريم «، وإنّ قوله: {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً} معنيٌّ به جميع قوم موسى، لا بعضٌ دون بعضٍ منهم؛ لأن الله -عزَّ ذِكْرُه- عمَّ بذلك القوم، ولم يَخْصُصْ منهم بعضًا دون بعضٍ. وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأولين أنّ عوج بن عناق قتله موسى - صلى الله عليه وسلم -، فلو كان قتْلُه إيّاه قبل مصيره في التيه -وهو من أعظم الجبارين خلقًا- لم تكن بنو إسرائيل تجْزَع من الجبارين الجزع الذي ظهر منها، ولكن ذلك كان إن شاء الله بعد فناء الأمة التي جزعت، وعصت ربها، وأبت الدخول على الجبارين مدينتهم. وبعد، فإنّ أهل العلم بأخبار الأولين مجمعون على أن بلعم بن باعور كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى، ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم؛ لأن المعونة إنما يحتاج إليها مَن كان مطلوبًا، فأمّا ولا طالب فلا وجه للحاجة إليها». ووجَّه ابنُ عطية (٣/ ١٤٢) القول الأول بقوله: «أي: حُرِّمت عليهم أرْبَعِينَ سَنَةً، ويتيهون في الأَرض هذه المدة، ثم تفتح عليهم، أدرك ذلك من أدركه، ومات قبله من مات». ثم نقل عن أبي إسحاق تخطئة القول الأول، ثم انتقده قائلًا: «وذلك منه تحامل». وعلَّق (٣/ ١٤٣) على القول الثاني بقوله: «والخطاب على هذا التأويل أصعب موقفًا، وأحضر يأْسًا».