للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

مرسلًا "أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم؛ فقال: إنكم تحدثون عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافًا؛ فلا تحدثوا عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللَّه؛ فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه". ثم علق الذهبي بقوله: "فهذا المرسل يدلّك أن مراد الصديق التثبت في الأخبار، والتحري لا سَدّ باب الرواية؛ ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السُّنَّة، فلما أخبره الثقة، ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر، ولم يقل حسبنا كتاب اللَّه كما تقوله الخوارج" (١)، ولم يكن ذلك منهم لتخوفهم من الكذب أو لاتهامهم أحدًا من الصحابة بالكذب؛ بل لخوفهم من وقوع الخطأ في رواية حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

ب- الإقلال من الرواية: فقد كان بعض الصحابة يتوقى الإكثار من الحديث خوفًا من الوقوع في الغلط؛ ومن أشهر ما روي في ذلك قول عبد اللَّه بن الزبير: قلت للزبير: لا أسمعك تحدث عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كما يحدث فلان وفلان! قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: "من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار" (٢)، وكان عمر -رضي اللَّه عنه- "شديدًا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها ويدخلها الشوب؛ ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي.

وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كأبي بكر، والزبير، وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقفون الرواية عنه؛ بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئًا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل" (٣).

٢ - ظهور الكذب وأثره في نشأة الإسناد: مضى الزمان الأول وتغيرت كثير من الأحوال، ووقعت الفرقة وظهرت البدعة، ونبتت نابتة الكذب التي تبحث عن تأييد بدعها وتسويغ آرائها؛ فتبدل حال الرواية، ودخلت الريبة في القلوب، وقلَّت الثقة بالنقول؛ وقد صوَّرت رواية مسلم عن ابن عباس شيئًا من هذا التغير والتحول، فقد روى بسنده عن مجاهد قال: "جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدث، ويقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجعل ابن عباس لا يأذن (٤)


(١) تذكرة الحفاظ ١/ ٩.
(٢) صحيح البخاري ١/ ٣٣.
(٣) تأويل مختلف الحديث ص ٨٩، ٩٠.
(٤) لا يأذن؛ أي: لا يستمع، يقال: أذنت للشيء آذن له، إذا استمعت له. تهذيب اللغة ١٥/ ١٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>