للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

وليس بالضرورة أن يكون الإسناد الذي لم يصل إلى درجة الصحة أو الحسن دليلًا قاطعًا على عدم صحة القول المنقول بهذا الإسناد، فعلى سبيل المثال: تكرر عند أهل العلم قولهم: إن طاوسًا أعلم الناس بأحكام معاذ، وسعيد بن المسيب أعلم الناس بقضاء عمر، وعلي بن أبي طلحة أعلم الناس بتفسير ابن عباس، وهؤلاء التابعون لم يتحملوا عن أولئك الصحابة" (١) وليس بلائق أن نجرد الكتب من نقولهم عن هؤلاء الصحابة لضعف الإسناد.

وسينصب الكلام هنا عن تجريد كتب التفسير من الآثار الضعيفة، ذلك أن أئمة التفسير وغيرهم لم يكونوا يمارسون لونًا من ألوان العبث وهم يدخلون في مؤلفاتهم وتفاسيرهم تلك الآثار الضعيفة، ولذا فإن من أراد تجريد كتب التفسير مثلًا من الآثار الضعيفة لَزِمَهُ قبل الإقدام على تلك الخطوة التنبه لما يلي:

الأول: مراعاة أن صحة المعنى مقام، وثبوت الرواية مقام آخر، ولذا تجد أحيانًا الأثر الوارد بسند ضعيف مثلًا أصح وأوفق بنظم الآية وسياقها من الأثر المروي بسند صحيح؛ بل قد يكون هناك صعوبة في احتمال الآية للمعنى الوارد بالسند الصحيح، وبالتالي فتجريد التفسير من الضعيف في مثل هذه الحالة واعتماد الصحيح فيه إخلال بالمعنى المراد من الآية، وبعد بها عن مقصودها وعما تدل عليه ألفاظها؛ فمثلًا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: ٢٦]، المتأمل في ظاهر الآية يجد أن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا} كأنه جواب عن اعتراض اعترضه الكفار، مفاده: أنه تعالى يستحيي من ضرب الأمثال، وقد صرح بكون الآية جوابًا عن اعتراضٍ كثيرٌ من المفسرين (٢)، وأوردوا بعض الآثار الضعيفة عن السلف مفادها: أن الآية نزلت؛ لأن الكفار أنكروا ضرب المثل في غير هذه السورة بالذباب والعنكبوت (٣)، وهو ما يشير إليه ظاهر الآية.


(١) تفسير التابعين ٢/ ٩١٨.
(٢) ينظر: الكشاف ١/ ١١١، وعبارته: "سيقت هذه الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبًا بها المثل ليس بموضع للاستنكار والاستغراب. . "، ومفاتيح الغيب ١/ ٥٣٣) وعبارته: ". . . أورد هنا شبهة أوردها الكفار قدحًا في ذلك وأجاب عنها"، وبدائع التفسير لابن القيم ١/ ٢٩٨، وعبارته: "هذا جواب اعتراض اعترض به الكفار. . . "، وفتح القدير ١/ ١٤٦، وعبارته: "أنزل اللَّه هذه الآية ردًّا على الكفار لما أنكروا ما ضربه سبحانه من الأمثال"، وتيسير الكريم الرحمن ص ٤٦، وعبارته: "وكأن في هذا جوابًا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة واعترض على اللَّه في ذلك فليس هذا محل اعتراض". وينظر كذلك: تفسير أبي السعود ١/ ٩٦، والتحرير والتنوير ١/ ٣٥٧.
(٣) الطبري ١/ ١٧٧، ابن أبي حاتم ١/ ٦٨، الدر المنثور ١/ ٨٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>