للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الذى أمره تعالى بابتغائه فنأمره ونلزمه التكسب ليقضى دين دائنيه ويقوم بعياله ونفسه ولا ندعه يضيع نفسه وعياله والدين اللازم عليه (١). وان ثبت أن لمن يدعى الافلاس ما لا غيبة أدب وضرب حتى يحضره أو يموت لقوله صلّى الله عليه وسلّم:

«من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه (٢)». ومن المنكر مطل الغنى فمن صح غناه ومنع خصمه حقه فقد أتى منكرا وظلما فواجب على القاضى تغييره باليد (٣).

[مذهب الزيدية]

من ثبت افلاسه لا يلزمه أن يتكسب لقضاء دينه، فلا يؤجر المفلس بالدين سواء كان له حرفة أم لا وله أن يؤجر نفسه ان أحب ولو بدون أجرة المثل، فاذا اكتسب من ذلك قبضت الزيادة عن مؤنته لصالح الدائنين. ولا يلزم المفلس أيضا قبول الهبة ولو من ولده لأجل قضاء الدين وكذلك النذر والوصية فله رد ذلك. وكذلك لا يلزمه أخذ أرش جناية العمد الموجبة للقصاص لاجل الدين. أما لو لم يجب القصاص فإنه يلزمه أحد الأرش ولم يكن له أن يبرئ الجانى منه بعد الحجر وكذا لو عفا عن القصاص. واذا أفلست المرأة فكذلك لا يلزمها التزوج لتقضى بالمهر دينها. واذا أرادت التزوج فلا يلزمها التزوج بمهر المثل بل لها أن تتزوج بدونه والمفلس المتفضل الذى يفضل له شئ يعد نفقته (وهو الذى له دخل من أصل لا يجوز له بيعه) من دخل مال له لا يباع ينجم عليه القاضى ديون الدائنين على حسب ما يراه اما فى كل سنة أو فى كل شهر أو نحو ذلك بلا اجحاف بحاله فى التنجيم.

وحد الاجحاف ألا يبقى له ما استثنى لنفقته وغيرها وكذلك المفلس الكسوب اذا تكسب مختارا نجم عليه الدين أيضا بدون ضرر يلحقه من ذلك.

ومتى أراد المفلس أن يسلم ما نجم عليه لدائنيه فانه لا يلزمه ايصال الدين الى الدائنين لأنه يؤدى الى الاضرار بكسبه وسواء كان الدين مما يجب حمله الى موضع الابتداء كالقرض ونحوه أم لا. بل عليهم أن يقصدوه الى. موضعه لقبض ما نجم عليه. وهذا خاص بالمفلس بعد الحجر عليه لا قبله.

وقال الفقيه يحيى: ليس هذا خاصا بالمفلس المحجور عليه. بل هو حكم كل مديون سواء كان مفلسا أم لا.

وقال الفقيه على: ظاهر كلام المؤيد بالله فى الزيادات أنه يلزم المديون حمله وايصاله الى الدائنين مرة واحدة فان امتنعوا من قبضه لم يجب عليه تكرار الحمل (٤).

[مذهب الإمامية]

اذا ثبت افلاس من عليه الدين لم يكن للدائنين مؤاجرته ولا استعماله. ولا يجبر على التكسب حتى وان كان ذا صنعة ليدفع للدائنين ما بقى لهم من ديون بعد قسمة ما فى يده من مال عليهم لأن الله سبحانه وتعالى أمر بانظاره ولم يأمره بالكسب فى الآية السابقة (٥).

وعن على أنه كان يحبس فى الدين ثم ينظر فان كان له مال اعطى الدائنين وان لم يكن له مال دفع المفلس الى الدائنين فيقول: «اصنعوا به ما شئتم ان شئتم فأجروه وان شئتم استعملوه» وهو يدل على وجوب التكسب واجبار المفلس عليه لوفاء الدين.

واختاره ابن حمزة والعلامة فى المختلف ومنعه الشيخ الطوسى وابن ادريس للآية ولأصالة البراءة.

قال صاحب اللمعة الدمشقية: والأول أى وجوب التكسب على المفلس أقرب لوجوب قضاء الدين على القادر مع المطالبة والمتكسب قادر ولهذا تحرم عليه الزكاة وحينئذ فهو خارج من الآية.

وانما يجب عليه التكسب فيما يليق بحاله عادة


(١) المحلى ج ٨ ص ٦٣٣ مسألة رقم ١٢٧٨ الطبعة السابقة.
(٢) الحديث رواه مسلم فى صحيحه ج ١ ص ٢٩ مطولا.
(٣) المحلى ج ٨ ص ٦٢١ مسألة رقم ١٢٧٧ الطبعة السابقة.
(٤) التاج المذهب ج ٤ ص ١٥٥، ١٦٥ - ١٦٦ الطبعة السابقة، شرح الأزهار ج ٤ ص ٢٧٧، ٢٨٦ الطبعة السابقة، البحر الزخار ج ٥ ص ٨٠، ٨٢ الطبعة السابقة.
(٥) تحرير الاحكام ج ١ ص ٢١٧ الطبعة السابقة، الخلاف فى الفقة للطوسى ج ١ ص ٦٢٢ رقم ١٥ الطبعة السابقة، مفتاح الكرامة ج ٥ ص ٣٣٦ الطبعة السابقة.