للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لترك الفعل وبين الإباحة المخيرة بين الفعل والترك. ومنهم من قال إنها حقيقة في الإباحة مجاز فيما سواها ومنهم من قال أنها حقيقة فى الطلب ومجاز فيما سواه. وهذا هو الأصح. وذلك لأننا إذا سمعنا أن أحدا قال لغيره افعل كذا وتجرد ذلك عن جميع القرائن وفرضناه كذلك فإنه يسبق إلى الأفهام منه طلب الفعل واقتضاؤه من غير توقف على أمر خارج دون التهديد المستدعى لترك الفعل والإباحة المخيرة بين الفعل والترك ولو كان مشتركًا أو ظاهرًا في الإباحة لما كان كذلك وإذا كان الطلب هو السابق إلى الفهم عند عدم القرائن مطلقًا دل ذلك على كون صيغة افعل ظاهرة فيه.

ثم أورد سؤالًا مقتضاه أنه يحتمل أن يكون دلالته طلب الفعل مبنيًا على عرف طارئ على الوضع اللغوى كما في لفظ الغائط والدابة وإن سلم دلالته ما ذكرتموه على الظهور في الطلب غير أنه معارض بما يدل على ظهوره في الإباحة لكونها أقل الدرجات فكانت مستيقنة.

وعقب على ذلك فقال: جواب الأول أن الأصل عدم العرف الطارئ وبقاء الوضع الأصلى بحاله وجواب الثاني لا نسلم أن الإباحة متيقنة إذ هي مقابلة للطلب والتهديد لكونها غير مستدعية للفعل ولا للترك. والطلب مستدع للفعل والتهديد مستدع لترك الفعل فلا تيقن لواحد منهما. (١)

ثم انتقل الآمدى إلى تقسيم مدلول الصيغة فقال: إذا ثبت أن صيغة افعل ظاهرة في الطلب والاقتضاء فالفعل المطلوب لابد وأن يكون فعله راجحًا على تركه فإن كان ممتنع الترك كان واجبا وإن لم يكن ممتنع الترك فإما أن يكون لمصلحة أخروية فهو المندوب أو دنيوية فهو الإرشاد.

ثم قال: إن الأصوليين اختلفوا فمنهم من قال إنه مشترك بين الكل وهو مذهب الشيعة ومنهم من قال إنه لا دلالة له على الوجوب والندب بخصوصه وإنما هو حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح الفعل على الترك ومنهم من قال إنه حقيقة في الوجوب مجاز فيما عداه وهذا هو مذهب الشافعي - رضي الله عنه - والفقهاء وجماعة من المتكلمين كأبى الحسين البصرى وهو قول الجباتى في أحد قوليه. ومنهم من قال إنه بحقيقة في الندب وهو مذهب أبى هاشم وكثير من التكلمين من المعتزلة وغيرهم وجماعة من الفقهاء وهو أيضا منقول عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. ومنهم من توقف وهو مذهب الأشعرى رحمه الله ومن تابعه من أصحابه كالقاضى أبى بكر والغزالى وغيرهما وهو الأصح. (٢)

[٣ - رأى البيضاوى والإسنوى]

ذكر البيضاوى (٣) أن صيغة افعل ترد لستة عشر معنى وقد جعل نحو "كل مما يليك" داخلًا في الندب ومثل التعجيز بقوله سبحانه {فَأْتُوا بِسُورَةٍ} وجعل من التهديد قوله سبحانه {قُلْ تَمَتَّعُوا} ومثل للإباحة قوله سبحانه {كُلُوا} وذكر مما لم يورده الغزالى والآمدى الاحتقار نحو قوله سبحانه {بَلْ أَلْقُوا} وهو حكاية عن قول


(١) الإحكام جـ ٢ ص ٢٠٩.
(٢) المصدر السابق ص ٢١٠.
(٣) نهاية السول جـ ١ ص ٢٥٣.