للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وبهذا ينتقض ما ذكروه فإنه لا يلزم أخذ الردئ ويجوز أخذه، ولأن المسلم أسقط حقه من النوع فلم يبق بينهما إلا صفة الجودة وقد سمح بها صاحبها (١). وإذا جاءه بالأجود فقال خذه وزدنى درهما لم يصح لأن الجودة صفة فلا يجوز إفرادها بالعقد كما لو كان مكيلا أو موزونا، فإن جاءه بزيادة في القدر فقال خذه وزدنى درهما ففعلا صح لأن الزيادة هاهنا يجوز إفرادها بالعقد، وليس له إلا أقل ما تقع عليه الصفة لأنه إذا أسلم إليه ذلك فقد سلم إليه ما تناوله العقد فبرئت ذمته منه، وعليه أن يسلم إليه الحنطة نقية من التبن والقصل والشعير ونحوه مما لا يتناوله اسم الحنطة وإن كان فيه تراب كثير يأخذ موضعا من المكيال لم يجز وإن كان يسيرا لا يؤثر في المكيال ولا يعيبها لزمه أخذه، ولا يلزمه أن يأخذ التمر إلا جافا، ولا يلزم أن يتناهى جفافه لأنه يقع عليه الاسم، ولا يلزمه أن يقبل معيبا بحال، ومتى قبض المسلم فيه فوجده معيبا فله المطالبة بالبدل أو الأرش كالمبيع سواء (٢). ولا يقبض المكيل إلا بالكيل ولا الموزون إلا بالوزن، ولا يقبضه جزافا ولا بغير ما يقدر به لأن الكيل والوزن يختلفان فإن قبضه بذلك فهو كقبضه جزافا فيقدره بما أسلم فيه ويأخذ قدر حقه ويرد الباقى ويطالب بالعوض، وهل له أن يتصرف في قدر حقه منه قبل أن يعتبره؟ على وجهين (٣).

[مذهب الظاهرية]

جاء في المحلى أن من باع شيئا فقال للمشترى: لا أدفع الثمن حتى أقبض ما ابتعت، وقال البائع: لا أدفع حتى أقبض أجبرا معا على دفع المبيع والثمن معا لأنه ليس أحدهما أحق بالإِنصاف والانتصاف من الآخر وبيد كل واحد منهما حق للآخر، وفرض على كل واحد منهما أن يعطى الآخر حقه فلا يجوز أن يخص أحدهما بالتقدم وفعل ذلك جور وحيف وظلم وهذا قول أصحابنا وعبيد الله بن الحسن (٤). فإن أبى المشترى من أن يدفع الثمن مع قبضه لما اشترى وقال: لا أدفع الثمن إلا بعد أن أقبض ما اشتريت فللبائع أن يحبس ما باع حتى ينتصف وينصف معا، فإن تلف عنده من غير تعد منه فهو من مصيبة المشترى وعليه دفع الثمن ولا ضمان على البائع فيما هلك عنده من غير تعديه لأنه احتبس بحق قال الله عز وجل: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" (٥) إلا أن يكون في بعض ما حبس وفاء بالثمن فإنه يضمن ما زاد على هذا المقدار لأنه مقعد باحتباسه أكثر مما تعدى عليه فيه الآخر، هذا إن كان مما يمكن أن ينقسم، فإن كان مما لا يمكن أن ينقسم إلا بفساده أو حط ثمنه فلا ضمان عليه أصلا: فلو قال البائع: لا أدفع إلا بعد قبض الثمن ودعاه المشترى إلى أن يقبض ويدفع معا فأبى فهو هاهنا ضامن لأنه متعد باحتباسه ما حبس وقد دعى إلى الإنصاف فأبى (٦). ولا يحل أن يجبر أحد على أن يبيع


(١) المرجع السابق جـ ٤ ص ٣٤٦، ص ٣٤٧ نفس الطبعة.
(٢) المرجع السابق ٤ ص ٣٤٧ نفس الطبعة.
(٣) المرجع السابق جـ ٤ ص ٣٤٧ نفس الطبعة.
(٤) المحلى لأبى محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسى جـ ٤ ص ٣٠٨ ص ٤٠٩ مسألة رقم ١٤٣٩ الطبعة الأولى.
(٥) الآية رقم ١٩٤ من سورة البقرة.
(٦) المحلى لأبى محمد على بن حزم جـ ٨ ص ٤٠٩ مسألة رقم ١٤٤ الطبعة السابقة.