للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لفظ الأمر مختصر من طلب الفعل بمصدر ذلك الأمر فإن "اضرب" مختصر من قولك "أطلب منك الضرب" كما أن "ضَرَبَ" مختصر من قوله "فعل الضرب في الزمان الماضي" والمختصر من الكلام والمطول في إفادة المعنى سواء فإن قولك: هذا جوهر مضئ محرق وقولك هذا نار سواء.

وانتقل البزدوى إلى دليل القائلين بالاحتمال فقال:

إن دليلهم هو دليل القائلين بالتكرار غير أن المصدر اسم نكرة في موضع الإثبات فأوجب الخصوص على احتمال العموم ألا ترى أن نية الثلاث صحيحة وهو عدد لا محالة فكذلك المثنى. ألا ترى إلى قول أقرع بن حابس في: السؤال عن الحج: ألعامنا هذا أم للأبد؟

وأما القائلون بأن الصيغة لا توجب التكرار ولا تحتمله إلا أن يكون معلقًا بشرط أو مخصوصًا بوصف فاستدلوا بالنصوص الواردة من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (١) {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} (٢).

ثم انتقل بعد ذلك إلى دليل الحنفية فقال (٣):

إن لفظ الأمر صيغة اختصرت لمعناها من طلب الفعل لكن لفظ الفعل فرد وكذلك سائر الأسماء المفردة والمصادر مثل قول الرجل لامرأته: طلقى أو أوقعى طلاقًا أو افعلى تطليقًا أو التطليق وهما اسمان فردان ليسا بصيغتى جمع ولا عدد وبين الفرد والعدد تناف. وكما لا يحتمل العدد معنى الفرد لم يحتمل الفرد معنى العدد أيضًا وكذلك الأمر بسائر الأفعال كقولك: اضرب أي اكتسب ضريًا أو الضرب وهو فرد بمنزلة زيد وعمرو فلا يحتمل العدد إلا أنه اسم جنس، له كل وبعض فالبعض منه الذي هو أقله فرد حقيقة وحكما.

وأما الطلقات الثلاث فليست لفرد حقيقة بل هي جزئيات متعددة ولكنها فرد حكما لأنها جنس واحد فصارت من طريق الجنس واحدًا.

وإنما أشكل على الأقرع بن حابس لأنه اعتبر ذلك بسائر العبادات. وعلى هذا يخرج أن كل اسم فاعل دل على المصدر لغة مثل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} لم يحتمل العدد حتى قلنا لا يجوز إن أراد بالآية إلا الإيمان لأن كل السرقات غير مراد بالإجماع قصار الواحد مرادًا بالفعل الواحد لا يقطع إلا واحد.

وقد أطال البخارى في التعليق على كلام البزدوى وفى إيراد بعض الاعتراضات الواردة والرد عليها بما لا نرى حاجة إلى إيراده (٤).

[٢ - النسفى وابن الملك]

أورد النسفى وابن الملك مذاهب الأصوليين بمثل ما جاء في مسلك البزدوى والبخارى ثم قالا (٥):

لا يقتضى الأمر المطلق التكرار ولا يحتمله سواء كان معلقًا بالشرط أو مخصوصًا بالوصف أو لم يكن.

لكن مفهوم الأمر يقع على أقل جنس الفعل المأمور به وهو الفرد حقيقة بلا نية ويحتمل كل


(١) آية ٧٨ سورة الإسراء.
(٢) آية ٦ سورة المائدة.
(٣) المصدر السابق من ١٢٥.
(٤) كشف الأسرار من ١٢٥ - ١٣٢ جـ ١.
(٥) شرح المنار ص ١٨٧